هكذا حررنا الدكتور جورج حبش من سجن الشيخ حسين في دمشق وهربناه الى لبنان ثم الى القاهرة

حجم الخط

وكالة خبر

 

كان من المفترض أن أكتب للأجيال الصاعدة عن انشاء التنظيم ، ولجان الدعم والاسناد في الساحل الغربي للولايات المتحدة ، لكن الحاح بعض الشباب علي بأن أكتب تفاصيل عملية تحريرالدكتورجورج حبش من سجن الشيخ حسين ، وتهريبه الى لبنان ، ثم الى مصر جعلني أتناول هذا الموضوع في هذه الحلقة الخامسة ، وسوف أنتقل بعدها للحديث المختصر عن جولة البناء التنظيمي ، والاسنادي في الساحل الغربي للولايات المتحدة الاميركية .

مؤتمر تموز- آب 1968 ، كما ذكرنا وصل الى طريق مسدود ، فقد رفض المؤتمرون “الأغلبية ” ، التقرير الذي قدمه نايف حواتمة للمؤتمر ، وكانت النقاط الرئيسية التي ” رفض بسببها ” ، أغلبية أعضاء المؤتمر التقريرهي تلك المتصلة بتصنيف البنية التنظيمية لحركة القوميين العرب ، وفكر الحركة والخلاصة غير العلمية ، التي اعتبرت هزيمة حزيران ، هي هزيمة البرجوازية الصغيرة ، وأنظمتها الوطنية ، وسقوط هذه الأنظمة ( وهذا يعني سقوط جمال عبدالناصر ) ، وضرورة أن تتسلم الطبقة العاملة بايديولوجيتها زمام قيادة المرحلة القادمة !! .. كان هذا يعني على صعيد المؤتمروالجبهة الاطاحة بقيادة الحركة ” القوميون العرب ” ، وصعود قيادة جديدة بديلة لجورج حبش ، ووديع حداد ، وابو علي مصطفى ، وابو سمير ، وابو عيسى … الخ ، وأن يحل محلهم نايف ومجموعته ( اذا دققت الآن تجد أنه لم يبق مع نايف من المجموعة الاولى ، التي خاض معها نايف مشروعه الانشقاقي كادر واحد فجميعهم تركوا ، أو انشقوا ، أو غادروا محيط نايف ، واستبدلوا بكوادر لا تسبح الا لنايف حواتمة ) ، ودفع هذا الهجوم على القيادات التاريخية المناضلة دفع الأعضاء الى رفض التقرير ، كان ذلك دفاعا عن النفس أولا ، ودفاعا عن فكر واستراتيجية حركة القوميين العرب وعن جمال عبدالناصر ، والانتصارات الوطنية والقومية التي حققتها ، والتي كان رد الامبريالية والصهيونية عليها محاولة تدمير جمال عبدالناصر ، والمد القومي الذي اتبعها عبدالناصر ( الجزائر ، واليمن ، والوحدة ، واذكاء الشعور بالعزة القومية في الجزيرة والخليج والعراق ، وسوريا ، ولبنان ، وفلسطين ) ، وخرج المؤتمر ( نتيجة حرص القوميين العرب على وحدة الصف ، واعتبار التناقض الداخلي أمر طبيعي ، وأن حله يتطلب أسلوبا ديمقراطيا داخل صفوف التنظيم ) ، شكلت قيادة طوارئ ، وعاد كل الى قواعده لاجراء انتخابات في ظل برنامج تثقيفي أدخلت عليه الأدبيات اللينينية على أن يعقد المؤتمر التأسيسي بعد انتهاء مؤتمر آب في شهر شباط 1969 .

كان هذا الموعد لعقد المؤتمر يشكل بالنسبة لوديع حداد النقطة النهائية في خطته لتحرير جورج حبش من السجن ، فقد رأى الجميع أن غياب الحكيم كان سببا من أسباب انفراد نايف بطرح تقييمه لمرحلة ماقبل هزيمة حزيران ، وتحليله لهزيمة حزيران ، وتحديده نتائجها وما يترتب على الحركة من تغييرات ايديولوجية ، وسياسية ، وتنظيمية استنادا لهذه الاستخلاصات  فكان هدف تحرير جورج حبش أولوية لدى وديع حداد وزملائه ، وزعت المسؤوليات واندفع كل لتنفيذ مهماته ، كان التحضير للمؤتمر شباط ، هو الهم الرئيسي ” انتخابات من القاعدة للقمة ” ، لكن الهم الأكبر كان بالنسبة للدكتور وديع حداد ، وابو علي مصطفى ، ومجموعة مناضلة ( لا أريد أن أذكر الأسماء لأن عددا منهم مازال حيا وقد يضر بهم ذكري لأسمائهم ) هذه هي الأجواء التي كانت سائدة بعد آب 1968 ، ( قيادات أبطال العودة ، وشباب الثأر كانت غاضبة جدا ، وكاد غضبهم بعد مؤتمرآب أن يفجر صراعا دمويا ) ، كان الحاج فايز جابر “رحمه الله – استشهد في معركة مطارعينتيبي ” ، والمناضل الكبير صبحي التميمي على رأس تنظيم أبطال العودة ، الذي كان قد بدأ في العام 1964 ، بانشاء الجهاز المقاتل السري لحركة القوميين العرب من خلال جيش التحرير الفلسطيني ، الذي أقر رسميا من جامعة الدول العربية وكان لأبطال العودة فضل كبير في تدريب عدد كبير من الكوادر ، وانخراط عدد في الكليات العسكرية العربية ، والتخرج منها ، وكان الشهيد فيصل الحسيني أحد هؤلاء اذ التحق بكلية حلب العسكرية ، وتخرج منها في العام 1967 ، عبر أبطال العودة شباب الثأر ، وكذلك كان عدد كبير من قيادات قوات التحرير الشعبية ” التابعة رسميا لجيش التحرير الفلسطيني كتنظيم سري ” ، تمحور الرد على ما يجري في قرارات اتخذها الدكتور وديع حداد مع قيادات ماكان يسميه نايف حواتمة ” التيار الناصري ” ، والذي نعته بالتخلف الفكري والبعد عن الابداع النضالي ، القرارات انصبت في الاتجاه النضالي ، وهو كان يعني تصعيد العمليات ضد العدو ، وتحرير جورج حبش من سجنه .

عملية تحرير جورج حبش

قبل أن يعقد مؤتمر تموز – آب تحول جهد القيادات بادارة وديع حداد نحو ثلاثة أهداف واستمرتوجيه العمل بهذا الاتجاه لتحقيق الأهداف الثلاثة بعد المؤتمر ، وأستطيع القول ان الفترة الزمنية ، التي انقضت بين مؤتمر تموز – آب 68 وشباط 69 ، كانت الفترة التي شهدت أعلى مستوى من النشاط لتحقيق : –

1- تصعيد في العمليات داخل الأرض المحتلة .

2- تصعيد في العمليات الخاصة الخارجية .

3- اتمام عملية تحرير جورج حبش .

كل هذا العمل كان يتم بقيادة وديع حداد ، وابو علي مصطفى ، وأعضاء قياديين من حركة القوميين العرب التحقوا بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كان اهتمام وديع حداد ، وشباب الجبهة بتحرير الحكيم من سجنه بدمشق شغلا شاغلا قبل ، وبعد المؤتمر ، وشرع الفريق المكلف بمتابعة هذه العملية السرية في المراقبة ، والاستطلاع بعد شهر من اعتقال الحكيم اذ تأكد أن عبدالكريم الجندي لن يفرج عنه طالما أنه رفض طلب المحامين العرب ، والقادة العرب ، وجمال عبدالناصر .

في بداية الاستطلاع لجأ الدكتور وديع حداد الى ” تشغيل ” ، أقارب للدكتور جورج حبش يسكنون في دمشق منذ النكبة ، فأرسل أحد الكوادر الذي يعرف أقارب الحكيم ، وشجعهم على طلب تصريح زيارة لرؤيته ، والاطمئنان عليه ، وتوصيل بعض الحاجيات له ، وتم ذلك وان كان قد استغرق وقتا طويلا لتنفيذه ، وشجعت العائلة بعد الزيارة لجعل زيارتهم العائلية روتينية حتى يعتاد المسؤولون عن منح التصاريح ، ومراقبة الزيارة على هذا الروتين ويطمئنوا الى ” براءة  الزيارة ” ، ثم بدأت مرحلة ثانية من تلك الزيارات : كان ” زكي هلو – رحمة الله عليه ” ، قد كلف بزيارة العائلة قبل أن يقوموا بزيارة الحكيم ، وطلب منهم أن يدققوا في بعض الأمور المتعلقة بالسجن ، والمدخل ، والحراسات ، وحركة الحكيم ، وفي مرحلة ثالثة بدأ الدكتور وديع بارسال سيدات يحملن هويات ، وجوازات سفر دقيقة الصنع تحمل اسم العائلة ” صنعت في مختبرات الدكتور وديع ” ، لزيارة الحكيم ، وتوجيه بعض الكلمات المحددة له حتى يعرف الحكيم أنهن من طرفه لكن الرقابة الأدق كانت تلك التي كانت تتم في يوم التحقيق ، فقد جرت العادة أن ينقل الحكيم تحت الحراسة من السجن الى مقر المخابرات ليخضع للتحقيق من قبل عبدالكريم الجندي بنفسه ، فقد كان هو المسؤول عن ملف ” جورج حبش ” ، وكانت الرقابة أشد،  وأدق عندما يعاد الحكيم الى السجن بعد انتهاء التحقيق ( عدد الجنود المسلحين ، عدد السيارات ، الطرق التي يسلكونها ، هل تتابعهم دوريات مدنية أم لا ، وكم من الوقت تستغرق الرحلة للسجن ، وكم من الوقت تستغرق عملية الخروج من تلك الدائرة الى مكان بعيد بعدا يكفي لاستمرار الانطلاق نحو طريق ترابي يستخدمه المهربون من سوريا الى لبنان ، والعكس ) ، هذا الجزء أي الانطلاق من ” دائرة العملية ” ، الى عبور الحدود نحو لبنان تم اختبارها ، وتجربتها أكثر من عشرين مرة لمعرفة الوقت التقريبي الذي ستستغرقه تلك الرحلة !! لم تكن الفسحة الزمنية مريحة ، بل كانت خانقة ، وتم تدريب ثلاثة سائقين ، ولم تختلف الفسحة الزمنية كثيرا بينهم لذلك أقر استخدام سيارتين لاتمام تلك الرحلة …. في حال نجحت عملية الاختطاف السيارة الاولى كانت لها مهمة نقل الحكيم ، ومن معه من موقع العملية الى موقع على مسافة متوسطة من الحدود ، والسيارة الثانية كانت تنتظر ليصعد لها الحكيم ، وشخص آخر لينطلق السائق نحو لبنان ، اللجوء لذلك كان لاضاعة وقت الملاحقين الذي كان الدكتور وديع حداد متأكدا انهم سينطلقون في المطاردة ، والبحث بعد فترة قصيرة من عدم وصول جورج حبش للسجن عائدا من جلسة التحقيق .

وقبل التنفيذ بيومين استدعى الدكتور وديع ( بناء على ترشيح ابو علي مصطفى ) ، قائد المهمة ، وهو ضابط شجاع ، ومدرب تدريبا جيدا ، ومقاتل شرس ” ابو طلعت – استشهد في معارك ايلول في الاردن ” واسمه الحقيقي شحادة العجرمي من بئر السبع وطردت عائلته الى قطاع غزة عام 1940 ” .

خطة التحرير والهرب الى لبنان

بعد استطلاع دقيق ، ولمرات عديدة رسمت الخطة على الشكل التالي : –

1- في الوقت المحدد بروتين لنقل الدكتور جورج حبش من سجن الشيخ حسين لمقر عبدالكريم الجندي ” مدير المخابرات السورية ” ، تقوم مجموعة بسيارة ” تكسي ” ، عادية يسوقها شاب من التنظيم بمراقبة الموكب للتأكد من أن عدد السيارات العسكرية ، وعدد الجنود هو نفس العدد الذي سبق ، وأن رافق نقل الحكيم للتحقيق .

2- تقوم المجموعة هذه بابلاغ المجموعة الثانية المكلفة بالمهمة الأساسية بأن ” المعلوم ثابت “

3- تتهيأ المجموعة المكونة من ضباط ” المهمات الصعبة ” ، بالاستعداد .

4- الموكب العسكري السوري كان مكونا من ثلاث سيارات عسكرية واحدة أمام السيارة التي تقل الدكتور حبش ، وثالثة خلف السيارة التي تقله يحيط بالحكيم جنديان مسلحان ” انضباط عسكري MP” ،  كل سيارة مرافقة ” الأمامية والخلفية ” ، جنديان مسلحان السيارات كانت تسير تاركة مسافة بين الواحدة ، والاخرى .

5- عند نقطة الانقضاض تركت السيارة الاولى تمر دون صدام ، واندفعت سيارة عسكرية بنفس ألوان سيارات الانضباط العسكري السوري ، ومن نفس النوع أمام السيارة التي تقل الحكيم ، وهبط منها أربعة مسلحين أقوياء ، وتوجهوا فورانحو السيارة التي تقل الحكيم ، رفع الجنود والسائق أيديهم ، وقال أحدهم : ( سيدي نحنا ناقلين سجين سياسي ما النا علاقة)  فنهره أحد المسلحين المهاجمين في هذه اللحظة كان الحكيم قد نقل الى سيارة مجهزة ، وجاهزة للانطلاق ، لم تستغرق العملية عند لحظة الانقضاض أكثر من ثلاث ، أو أربع دقائق اذ انقض الفدائيون ، الذين كانوا يلبسون بزات الانضباط العسكري السوري ، ويستخدمون ذات السيارة ” نسخة طبق الأصل ” ، انقضوا على الحرس المرافق للحكيم مما دفع الحكيم للتدخل لمنعهم من ايذاء الحرس ، فصرخ به القائد ابو طلعت أن يصمت ، وشده من كتفه ، وأخرجه عنوة من السيارة ليستلمه آخرون دافعين به الى السيارة الرابعة الجاهزة للانطلاق دفعوه دفعا وكأنما يختطفونه ، وفوجئ الجميع بشاب جميل الطلعة بريء القسمات يرجو الحكيم أن يسمح له بالذهاب معه ، كان أحد حراس السجن ، وكان يرى في الحكيم مثلا أعلى ويحبه ويحترمه ، نظر الحكيم للمقاتلين ، وقال لهم دعوه يأتي معي قالها بلهجة الآمر هذه المرة فاندفع نحو السيارة .. ….. انطلقت السيارة بأقصى سرعة مما جعل عجلاتها تصرصرعلى الشارع ، كان سائق السيارة من أمهر سائقي الجبهة العسكريين ، وكان مسؤولا عن تهريب الأسلحة للاردن لتدخل الضفة ، وكان يعرف بدقة كل طرق التهريب ، وأماكن دوريات المكافحة ( ابو علي الطحلة كان بطلا من أبطالنا لايعرفه الا عدد قليل ، لكنه كان معروفا لدى القيادات املسؤولة عن السلاح والتسليح ) وقامت كل مجموعة بدورها على أكمل وجه مما ترك عبدالكريم الجندي مذهولا ، لقد أخرت مجموعة ثالثة تقدم السيارة الخلفية لدقائق ، وكاد ركابها أن يشتبكوا بالأيدي مع رجال الانضباط لعرقلتهم حركة السير مما أخر سيارة المرافقة عن اللحاق المبكر بالسيارة ، التي كانت تنقل الدكتور جورج حبش .

كان الحكيم يعلم أن ذلك اليوم سيكون يوم العملية ، فقد أرسلت له اشارة بذلك من خلال سيدة زارته بصفتها أخته ” مزورة ” ، حملت له تلك السيدة جملة واحدة فهم منها الحكيم أن العملية ستتم في اليوم التالي ” راح نرجع لصفد ان شاءالله ” ، تمكن الجميع من الخروج من تلك الدائرة الضيقة ، فقد تركت السيارات مكانها ، وانسحب كل المشاركين كل الى قاعدته بسلام .

أما السيارة التي أقلت الحكيم ، فقد سابقت الريح لتخرج من الأراضي السورية نحو لبنان قبل أن تلحق بها سيارات ، أو طائرات المطاردة والملاحقة ، وما أن عبرت الأراضي اللبنانية حتى استقبلها مسلحون من عشائر بعلبك ، ورجال الجبهة الذين كانوا على صلة وثيقة وتعاون مع العشائر في تلك المنطقة نقل الحكيم ، ومن معه الى سيارة اخرى انطلقت الى بيروت بينما أخفيت السيارة التي نقلته من دمشق الى لبنان ، وتحرك كل الى قواعده خلال ذلك بدأت دوريات المخابرات السورية تشاهد في بعلبك ، وشتورة ، وغيرها من مدن البقاع ، وأمر وديع حداد باعتقال المجموعات ، والتعامل معها بشكل حسن ، وتحميلها رسالة لعبدالكريم الجندي مضمونها ” اذا اعتديتم على أي فرد ، أو مقاتل من أعضائنا ، فسوف نرد بعنف نحن لم نستخدم العنف حتى الآن ، فلا تجبرونا ” .

وصلت الرسالة ، وانسحبت الدوريات ……

في بيروت أقام الحكيم في منازل لأصدقائه لبنانيين ، وفلسطينيين الى أن تم ترتيب توجهه للقاء جمال عبدالناصر في القاهرة ، وتم ترتيب ذلك من مطار بيروت الذي شهد استنفارعدد كبير  من المقاتلين داخل المطار لضمان صعود الححكيم بأمان على الطائرة الخاصة التي نقلته للقاهرة .

*كاتب وسياسي فلسطيني