إدلب... مسك الختام

حجم الخط

وكالة خبر

"مهما كانت صحة مطالب قوى المعارضة ومهما كانت صحة إداناتها للنظام وسياساته وممارساته في أي مجال وعلى أي مستوى، ومهما كانت درجة معاناتها وأثمان مجابهتها للنظام الحاكم وتصديها لسياساته ... فلا شيء، لا شيء إطلاقا، يعطيها، او لبعضها، المبرر ولا يقدم لها الذريعة ان ترهن نفسها وتقبل برهن الوطن معها الى قوى خارجية".
بؤر قليلة جدا وصغيرة ومتناثرة في سورية، مازالت خارج سيطرة الدولة السورية. استمرار وجود بعضها مفروض ومحروس من قبل قوى خارجية (التنف مثلا). 
ادلب تبقى هي المعقل الأخير والكبير، والقوي، المتبقي خارج سيطرة الدولة السورية، وفي موقع العداء الجذري والحاسم لها.
الأراضي السورية التي تسيطر عليها وتحكمها "قسد" - قوات سورية الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية - اكبر لجهة المساحة من ادلب، لكن "قسد" لا تقف في موقع العداء للدولة السورية المركزية، بل بقيت على تواصل معها حتى في فترات الاشتباك المسلح. وفي الأيام الأخيرة زار وفد من قيادتها دمشق والتقى مسؤولين من النظام واعلن دعوته الى نظام لامركزي في إطار وحدة البلاد.
مشكلة ادلب مركّبة وشديدة التعقيد، وهو ما يعكس نفسه على أي معركة عسكرية فيها:  
- الدولة السورية ممثلة بنظامها السياسي الحاكم تصر على استعادة ادلب الى سيادتها الوطنية ونظامها، ولو اضطرت الى الحسم العسكري. والدولة تعتبر ذلك حقا طبيعيا لها وواجبا عليها، ويقوم على أساس وحدة الدولة السورية ووحدة أراضيها ومجتمعها على تنوعه وسيادتها على كامل أراضيها. وتعلن ان معركة ادلب هي التالية بعد انتهائها من حسم معركة الجنوب.
- ان ادلب كمدينة ومحافظة، مكتظة بالسكان سواء من أهلها الأصليين، او من الذين رحلوا إليها بعد كل اتفاق توصلت إليه السلطة مع قوى الإرهاب.
- في ادلب، خليط من الإرهابيين لا يجمعهم سوى الملجأ (ادلب) ومحاربة النظام، وتتفرق بهم بعد ذلك السبل وتستعر بينهم الخلافات من الفكر والهدف الى المرجعية الى مورّد السلاح والمال الى الهيئات القيادية ودرجة سيطرتها ونفوذها، الى .... وليس هناك قوة منهم قادرة على السيطرة على هذا الخليط وضبطه.
يزيد من هذه العقدة ان الكثير من الإرهابيين في ادلب هم أجانب من جنسيات كثيرة التعدد والتنوع، ولا يمكنهم العودة الى بلدانهم الأصلية.
ان ما تقدم يجعل من الناس، من أهل ادلب والمرحلين إليها، وقود أي قتال عسكري يدور في ادلب بهدف الحسم النهائي والتخليص. وسيكون الثمن شديدة الكلفة بشرا ودماء.
- ان ادلب ومعركتها ووضعها ومستقبلها دخلت، وبشكل رئيسي، في معادلات وطموحات ومصالح وتفاهمات ومخططات، سورية ما بعد الانتصار على الإرهاب. وكلها أمور شديدة التعقيد والتداخل. خصوصا وأنها تتم في غالبها في خارج سورية، وأساسا بين دول العالم النافذة والقادرة، ثم بعض دول الإقليم.
ومع استثناء نسبي واسع للنظام فإن قوى المعارضة لا دور لها سوى دور المتلقي والدائر في فلك هذه او تلك من القوى الدولية او الإقليمية. 
العامل التركي في ادلب بالذات له خصوصية استثنائية، تماما كما ظل استثنائيا في كل مراحل الصراع الذي دار على الأرض السورية منذ بداياته الأولى.
عنوان الدور التركي ظل منذ البداية وطيلة معظم سنوات الصراع دعم ومساندة قوى المعارضة بشكل عام (وان ظل لها دوما تنظيمها وحليفها المفضل)، وظل الهدف إسقاط النظام. 
وشمل الدور التركي تقديم الدعم على كل المستويات والأشكال اللوجستية والسياسية والتسليحية والمالية والإعلامية سواء بتأمينها مباشرة، او بتأمين وضمان وصولها من جهات أخرى. 
أما حين تأكد لتركيا ولغيرها، استحالة تحقيق هدف إسقاط النظام، فقد اصبح الهدف/ الهدف فرض ترتيبات لوجستية وإدارية وعسكرية في الأراضي السورية - الشمال منها بالذات - يوفر أرضية ومدخلا لاستمرار دور وتأثير تركي في تقرير الأمور في سورية ولسنوات طويلة قادمة. وذلك في سياق وفي خدمة طموحاتها لفرض نفسها قوة إقليمية مؤثرة ومتميزة. حجتها، وبالأحرى مدخلها الى هذا العنوان هو الادعاء بضرورة ضمان امنها القومي، ان لجهة الخطر القادم عبر حدودها، وان لجهة تفاعله مع ما يهدد وحدة نسيجها الاجتماعي الداخلي.
العقدة التركية هي التي منعت بحث موضوع ادلب بين قوى آستانة في اجتماعها الأخير وقررت ترحيله الى قمتها المتفق على عقدها قريبا. 
الحقائق التي تفرض نفسها على ارض الواقع السوري تدفع كلها باتجاه ولصالح، عودة ادلب الى حضن الوطن السوري.
يؤيد ذلك ويعززه، الحقائق التي تتأكد على المستوى الإقليمي والدولي، وآخرها الاستنتاج الذي يحظى بشبه إجماع، ان الولايات المتحدة سلمت بالدور الروسي في سورية، وهو الدور المتمسك بوحدة أراضي الدولة السورية وسيادتها.  
لكن هذه العودة لن تكون سهلة ولا سلسة. وسوف تتداخل في حسمها عوامل المناورات السياسية والتحالفات والتنازلات المتبادلة وعض الأصابع، وأيضا القتال العسكري الذي نأمل ان يكون اكثر العوامل محدودية واقلها ضررا.
وكما اطلق على معركة حلب "أم المعارك" في مرحلة سابقة، فإن عودة ادلب لحضن الوطن السوري ستكون "مسك الختام".