الباب الدوار بين عنف الاحتلال والعنف الاجتماعي

حجم الخط

وكالة خبر

فلسطين، هي الدولة الثانية التي قامت بوضع  فلسطين خطتها الوطنية لتطبيق القرار 1325، كونها اعتبرت القرار كأحد القرارات الثورية المتعاطية مع أجندة المرأة والأمن والسلام، في بلد يغيب عن رجالها ونسائها الاستقرار، كلاهما يعيش تحت احتلال إحلالي استعماري؛ طويل الأمد. 
في خصوصية العنف ضد الفلسطينيات، مزايا عنف مُركَّب متعدد الطبقات؛ ثنائية العنف السياسي والاجتماعي بسبب نظام السيطرة الاحتلالي، الذي يبدو وكأنه يتضافر مع الثقافة السائدة؛ بما هي عادات وتقاليد نمطية إقصائية قاهرة، بينهما روابط وباب دوَّار. 
لم يكن من السهل إقناع النساء عامة بتبني قرار مجلس الأمن 1325 لعدد من الأسباب؛ أولهما إدراك الفلسطينيات سياسة ازدواجية المعايير المتبعة في هيئة الأمم المتحدة. ثانيهما ارتباط تطبيق القرار 1325 بالقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، ارتباط شرط الأمان بشرط انهاء الاحتلال وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. أمان المرأة الفلسطينية جزء لا يتجزأ من أمان شعبها.  
لقد تم تبني القرار 1325 بالرغم من الموقف السلبي للقاعدة النسائية وموقفها الاحتجاجي المنطقي من المؤسسة الدولية، يدها المغلولة عن تطبيق قراراتها باستقلالية عن سيطرة مراكز النفوذ المتحكمة وتسييس القانون. 
لتقريب الأمر أكثر، ذهبنا إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 من المنظور الاجتماعي، معالجة العنف الاجتماعي وعوامله المحلية، والتركيز على صياغة تدابير حماية المرأة من العنف القائم على أساس نوع الجنس. وجدنا أنفسنا أمام الباب الدوّار، العودة إلى المربع الصفري، حيث يتربع الاحتلال وأياديه الاخطبوطية. 
عقبات ترتبط بشكل رئيسي بتصنيف الأراضي المحتلة في الضفة الغربية إلى "كونتونات"، معازل منفصلة بموجب اتفاقيات "أوسلو"؛ A ، B ، C ، H1 ، H2  و E.، كل منطقة لها نظامها القانوني والأمني الخاص تبعاً للحالة المختلفة، تبعاً للاحتلال وخططه، سياسة رسم الوقائع النهائية على الأرض.
المنطقة A تُدار من قبل السلطة الفلسطينية حصراً  ويحتفظ الاحتلال بحق المُطاردة؛ وتتبع المنطقة B السلطة الفلسطينية إدارياً وتتبع الاحتلال أمنياً. أما المنطقة C التي تضم المستوطنات الإسرائيلية، المُقدَّر مساحتها 60% من مساحة الضفة الغربية فيتم إدارتها بالكامل من قبل الاحتلال. بينما قسَّم الاحتلال مدينة الخليل إلى منطقتين: H1 كأحد تشكيلات المنطقة A، المنطقة المسماة H2 تنطبق عليها الاجراءات المطبقة في القدس، في حين أن المنطقة E  فهي المنطقة المحيطة بالقدس حيث يطبق عليها ما ينطبق على العاصمة. كل هذه التصنيفات والتقسيمات، التي ربما نشهد مستقبلاً أن حروف اللغة لن تتسع للمزيد من تفاصيلها، تُعرقل على نحو خطير تحقيق حَلّ الدولتين كما هو منصوص عليه في العديد من قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الأمن 181 و 242، وتشكلُ مصدر تهديد وقلق للنساء وممكنات وصولهن للحماية والعدالة.
في هذه المناطق الواقعة تحت سيطرة اسرائيل تنعدم هياكل وآليات الأمن، مناطق "الحرام" المُتَّسِعة باطّراد عَبر عملية مصادرة الاراضي وهدم المنازل وانعكاسات ذلك على تغييب أجهزة وأطر العدالة الجنائية، بما يحول دون تنفيذ قرارات المحاكم واستحقاقاتها وحرمان النساء من حقوقهن الانسانية الأساسية.
إن تأثير إبطال الإقامة في القدس الذي يجبر الناس على ترك منازلهم وتقسيم العائلات، يؤدي إلى مخاوف مؤلمة من الانفصال عن الأطفال للأمهات، وعلى النقيض من المادة 5 (أ) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، المتعلقة بتعديل الأنماط الثقافية والسلوكات القائمة على فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة، في الوقت الذي تؤثر فيها مصادرة الأراضي وبناء وتسمين المستوطنات على أمن المرأة واستقرارها ويدفعها نحو الهجرة؛ القسريّة والطوعيّة، بسبب الخوف وتهديد الأمن.
على الرغم من كل هذه التعقيدات، تواصل حركة النساء الفلسطينيات والمجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان البحث عن فرص لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 وتطبيق سيداو، من خلال بناء التحالفات مع الحركة النسائية الدولية لتضخيم صوت النساء الفلسطينيات وخلق صدى. الاستمرار في زيادة الوعي المحلي بمحددات الأدوات الدولية. ومواصلة توثيق ورصد انتهاكات حقوق الإنسان للمرأة الداعمة لرفع صوت النساء المطالبات بإنهاء الاحتلال والضغط لتطبيق قرارات الشرعية الدولية.
بقي أن أقول، نصف الحقيقة التذرع بالاحتلال في وجه تطبيق الاستحقاقات الاجتماعية والقانونية والديمقراطية بناءً على انضمام فلسطين لعدد من الاتفاقيات الكونية. النصف الآخر من الحقيقة الثابتة، أن الاحتلال مُتَدخِّل ثابت ومعيق رئيسي أمام استقرار الحياة، من ترتيب وبناء الأولويات التي يتذرَّعُ البعض بها. المعادلة واضحة في فلسطين، معادلة الباب الدوار بين عنف الاحتلال ووتيرة العنف المحلي، ترابط محكم بين العنفين، يتغذيان من بعضهما البعض.

من ورقة العمل المقدمة لاجتماع الدورة 70 للجنة اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة/ جنيف.