4 شهداء بنيران جيش الاحتلال في مدينتي غزة وخان يونس منذ صباح اليوم
24 نوفمبر 2025 11:46 ص
نشرت في 13 يوليو 2018 10:41 ص
لأول مرة تنعقد قمة ثنائية خاصة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين خارج بلديهما في هلسنكي الفنلندية يوم الاثنين المقبل، في إطار زيارة الأول للقارة العجوز ضمن جدول دسم بالاجتماعات مع قادة الاتحاد الأوروبي.
قبل ذهابه إلى أوروبا علّق ترامب بأن اجتماعه مع بوتين قد يكون الأسهل من بين سلسلة اجتماعاته مع حلفائه في "الناتو" ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، رافضاً الحديث عن فرز نظيره الروسي إن كان في خانة الأصدقاء أم الأعداء.
اللقاء الذي يجمع الرئيسين ربما سيخوض في الكثير من الموضوعات، إذ سيحضر الملف السوري بالتأكيد، والأوكراني أيضاً وقد يحضر ملف السلاح النووي ومعاهدة "ستارت الجديدة" التي سبق أن انتقدها ترامب.
ملفات كثيرة قد تحضر بين الرئيسين، لكن من الصعوبة الجزم بأنهما سيجنيان من الشوك العنب، خاصةً وأن الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى روسيا على أنها دولة صاعدة ترغب في منافستها على تسيد النظام الدولي، ما يجعلها تشيطن موسكو كل الوقت بهدف كبح جماح صعودها.
قبل هذا اللقاء المرتقب، وبّخ الرئيس الأميركي شركاءه في حلف "الناتو" لأنهم لم يزيدوا إنفاقهم الدفاعي إلى نسبة 2% من منتوجهم المحلي، في الوقت الذي يتطلع فيه ترامب إلى زيادة الإنفاق الأوروبي على هذا الحلف بنسبة تصل إلى 4% من النواتج المحلية لكل دولة أوروبية.
هذا التوبيخ جاء على خلفية أن الولايات المتحدة تريد من الأوروبيين المساهمة بقوة في دفع فاتورة تكلفة حلف "الناتو"، ويأتي أيضاً في إطار فرملة الصعود الروسي القوي على المسرح العالمي، والسعي إلى تطويق موسكو جغرافياً وأمنياً والإحاطة بها من كل الجوانب.
ترامب انتقد المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل بشدة، لأنها لم تزد إنفاقها الدفاعي ولأنها اتفقت مع روسيا على مد خط أنابيب لنقل الغاز يفيد برلين، ووصف الأخيرة بأنها أسيرة لموسكو، ناقلاً حرده هذا إلى الأمين العام للناتو لينس ستولتنبرج وقائلاً إنه من غير اللائق أن تُموّل واشنطن الدفاع الأوروبي في مواجهة روسيا بينما تعقد ألمانيا صفقات غاز مع الأولى.
الإضاءة على تصريحات ترامب أعلاه تُشكّل مؤشراً على أن الرجل يُقيّم روسيا اليوم كما كان التقييم الأميركي ضدها سائداً إبان الحرب الباردة وقبل تفكك الاتحاد السوفييتي، ولذلك فإن هذه القمة لن تحل المشكلات ولن تكون مصباح "علاء الدين".
روسيا والولايات المتحدة تتنافسان لحماية مصالحهما في العالم، والمزاحمة على تسيّد النظام الدولي هو الذي جعلهما تتسابقان لامتلاك السلاح النووي وغزو الفضاء، ولذلك يستعدي كلٌ منهما الآخر وتستنفران وتسخران كل الإمكانيات للمضي في التطور الذي يحقق التفوق والأفضلية في كافة المستويات.
ثم إن الموضوع يتجاوز مسألة العدائية والتنافسية لأنه يُحوّل هذه العلاقة إلى تجارة رابحة، إذ من باب رفع لافتة التوسع الروسي في المنطقة، تُوسّع الولايات المتحدة شبكة نفوذها على أوروبا، وتتوسع أيضاً في بيع الأسلحة إلى ما تسميهم شركاءها الاستراتيجيين وغير الاستراتيجيين.
ومن وراء تعظيم البعبع الروسي يلتف الأميركيون حول رئيسهم ترامب، وتنتقل العلاقات العدائية إلى مستوى تحديث الاصطفافات الدولية والتأكيد على سياسة دعم وكسب الأصدقاء و"من معي هو من حصتي"، وكذلك الحال تفعل روسيا التي استفادت من العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية بأن اعتمدت أكثر على نفسها في العملية الإنتاجية لتقليل الاستيراد من الغرب وبحثاً عن أسواق بديلة لتغطية حاجاتها.
ولم تتوقف روسيا أيضاً عن بيع الأسلحة لحلفائها وللعديد من الدول التي تشهد علاقات متوترة مع واشنطن، مع إضافة ميزة رخص كلفة السلاح الروسي مقارنةً بالأميركي، والاتجاه إلى التمدد دولياً والبحث في صياغة أحلاف لكسر الاحتكار الأميركي.
من غير المستبعد أن يتحدث الرئيسان عن ملف النزاع السوري، من حيث إن الإدارة الأميركية تغض الطرف عن مستقبل النظام السوري بقيادة بشار الأسد، لكنها على الأغلب ستركز على مسألة الوجود الإيراني هناك وعلى أهمية تفهم احتياجات إسرائيل الأمنية.
والملف الأوكراني سيبقى واحداً من الملفات الخلافية التي تحتاج إلى أكثر من لقاء بينهما، وكذلك الحال بالنسبة للموقف الأميركي المنزعج من العلاقة القوية التي تربط روسيا بكل من إيران وكوريا الشمالية، فضلاً عن مسألة العقوبات الاقتصادية البينية المفروضة بين البلدين.
تنبغي الإشارة هنا إلى أن ترامب في الأساس هو رجل أعمال، ويتعامل في السياسة من عقلية رجل المال الذي يقيّم علاقاته على ميزان الربح والخسارة، وهذه السياسة واضحة في موقفه من قضايا كثيرة ليس آخرها دعوته حلف الناتو لتحمل مسؤولياته وزيادة نسبة الإنفاق على أمنه.
وحين رفض فرز بوتين، ووضعه بين الأبيض والأسود، فإنه ينظر إلى علاقاته السياسية على مسطرة المنفعة الاقتصادية، ولذلك فإن اللقاء يتوقف حول ما الذي ستستفيد منه الولايات المتحدة، تماماً مثل موقفها من سورية التي تساوم حولها و"تحلب" هذا الملف من أجل الخروج بصفقة مرضية.
هذا اللقاء من الطراز الثقيل هو أشبه بلقاء بين الديكة القوية حول مناطق نفوذها وما الذي يمكن تجنبه من خلافات شديدة تمنع القطيعة التامة، وما الذي يمكن التنافس حوله للدخول في مساومات تحقق المصالح المطلوبة.
صدق سفير روسيا في واشنطن أناتولي أنطونوف بأن اللقاء المرتقب بين ترامب وبوتين قد يولد كيمياء تفاهم بينهما، وقد يسهم في حل بعض القضايا من العيار الخفيف، لكنه لن يحل قضايا ومشكلات ثقيلة تتجاوز مسألة الأخذ والرد في الوقت الزمني المحدد للقاء.
أميركا وروسيا تسيران على خطى الحرب الباردة وتُجسّدان الكرتون المشهور "توم وجيري"، اللهم أن العلاقات قد تشهد بعض التحسن هنا أو هناك، لكن كل طرف ينظر إلى الآخر انطلاقاً من مصالحه ويزاحمه على شكل النظام الدولي، مع إضافة أن دولاً أخرى مثل الصين تتطلع للمزاحمة على هذا النظام، وأما الباقي فهم موزعون بين دجاج وصيصان يسيرون في فلك هذين الديكين.