في أيام المشفى وبعدها

حجم الخط

وكالة خبر

 

بعد مغادرة عباس المشفى، يعود اللاعبون المتنافسون على كأس الخلافة، من أرض الملعب الى حجرة الملابس للاستراحة قليلاً بين شوطين. ولولا أن الله سبحانه، هو الذي يعلم ما في القلوب، لكان في مقدورنا أن نجزم وبكل يقين، أن الطامحين لخلافة عباس في الرئاسة، وهم الموالون ظاهرياً له وفق ما تتطلبه قواعد اللعبة، قد أحبطهم خروج الرجل من المشفى الى الدار والمكتب، وأن الأخيار من معارضي منهجية حكم عباس، هم الذين لم يحبطهم شفاؤه ولا يطلبون الموت لمريض. فالفارق كبير، بين الذي يتمنى أزاحة نهج وتحقيق إصلاح للحال لكي ينجو شعب وقضية وكيان، والذي يتمنى إنزياح الإنسان نفسه لكي يرث هو، حتى وإن غرقت السفينة.

خاض الطامحون الى الخلافة، معركة الأيام السبعة أو الثمانية،  واهمين أن المباراة ستكون سهله، بعد أن أُخرجوا غزة من المنافسة، وأصبح الموالون من أبنائها المقيمين في الضفة، شأنهم شأن المعارضين المقيمين في غزة وخارجها، لا يحق لهم محض التمني، علماً بأن ثلاثة منهم على الأقل، من جلساء عباس اليوميين صُبح مساء. فاللعبة في المشهد العام مناطقية بامتياز، سواء بمشاركة غزة أو في غيابها!

 وليس في مقدور أحد إنكار وقوع المباراة التي تابعها الشعب اللبيب، دون أن تُنقل على الهواء مباشرة وأن يُشاهد اللاعبون والمتفرجون. وللإنصاف،  كان عباس أبرع من اللاعبين واذكى تدبيراً. فهو راسخ في فنيات الكيد وكمائنه، وقد تابع بدقة ما يجري على أرض الملعب، وبناءً على ما يعلم،  استخدم التكتيك اللازم، فمنع التفاف الطامحين حول سريره لكي يلتقطوا الصور آحاداً أو جَمعاً. فقد أسدل الرجل ستائر الغموض على الحالة الصحية، وربما تعمد رمي معلومات مجتزأة، لتنشيط التكهنات، لكي يختبر ردود الأفعال نُطقاً أو صمتاً، ويقيس درجات حرارة التصريحات، فيستدل بها على ما وراءها من مشاعر. فهو ضمناً يختبر كذلك فاعلية الترهيب الذي اعتمده خلال السنوات العشر الأخيرة، ونجح من خلاله في إقناع أي طامحٍ أو موالٍ، أن همسة أو كلمة واحدة، خارج النص، من شأنها تضييعه وإذلاله. والحق يُقال، إن بعض أصوات الموالين الطامحين وغير الطامحين، التي امتلكت شجاعة التجرؤ على الشعب نفسه وعلى مُدركات القضية؛ ظلت خلال الأيام السبعة الأخيرة، عاجزة عن النطق المفيد، وإن نطقت فلا تقول إلا جملة قصيرة أو جملتين من نوع التطمين على صحة السيد الرئيس، والـتاكيد الكاذب على أن مسار الزمن والتاريخ، سينحرف من دونه وسيأخذنا الى حتفنا البليغ!

لم يتنبه أي منهم، وهو يصف دور عباس الذي يراه ضمانة المسار القويم للتاريخ، وضمانة مسار الحكم الفلسطيني في طريق الرشاد والحنان؛ الى خطورة المعنى الضمني الذي يمثله هذا النمط الوضيع من مقاربات النفاق. إن صاحب مثل هذا الكلام، يشطب نفسه من حيث هو طامح. فإن كانت السفينة ستغرق بغياب عباس، والتاريخ سيحسم أمره في الوجهة الخاطئة وسنذهب الى حتفنا البليغ؛ فما الذي تبقى لكي يفعله الطامحون عندما يحققون طموحاتهم؟ هل سيتكفلون بكتابة قصة السفينة الغارقة، مثلما فعل الأدباء مع حكاية "تايتنك" وأن يصنعوا لها مُجسمات خزفية للذكرى؟

إن أخطر ما دل عليه الصمت والنطق في الأيام السبعة، هو خلو العقول والحناجر من أية عبارة ذات صلة بشروط قيام الكيانات واستمرارها، والانتقال الطبيعي السلس لمسؤوليات السلطة، وخلو الأذهان من أي كلام عن الآليات الصحيحة لإحراز التوافق أو الرضا الشعبي الذي قامت على أساسه فكرة الكيان السياسي والدولة. كأنما الخيارات العباسية هي التي تقرر على الشعب الفلسطيني كيفية الحكم مستقبلاً، بعد أن حددت المُبشرين بالسلطة وانتهى الأمر، ولم يعد هناك مجالاً لراغب في نيل التفويض الشعبي خارج مجموعة المبشرين: العالول وعريقات والرجوب والطيراوي وربما عزام وحمد الله وفرج، وقلة مُلحقة إن انزلقت التوقعات الى ما هو أدنى.

إن هذه تجربة شعورية شديدة الانحراف، أنكرت شروط قيام الكيانات، بعد أن أنكرت مسبقاً، شروط قيام واستمرار حركات التحرر، وشروط وعقيدة عمل المؤسسة الأمنية، وأطاحت الثقافة الوطنية التي تُحرّم النعرات المناطقية وتراها من الأخطار الوجودية على اية حركة للنضال الوطني.

 والأدهى أن أصحاب هذه التجربة الشعورية يصرون على إنكار وجود وتأثير كتل ومجاميع بشرية، وحركات وازنة، ومقاومين مسلحين،  وشبان شجعان غاضبين في الضفة والقدس، ومؤسسات مجتمع مدني، ولا يحسبون حساباً إلا للخواجا اليهودي غرباً، وكيف يتم التوصل معه الى صيغة التراضي!

أيام المشفى السبعة، علمت عباس الكثير. والرجل نبيه ولبيب في ساحات الكيد، على الرغم من عدم نباهته حيال البعد الاجتماعي للسياسات في الداخل، وحيال المآلات الأخيرة للفساد والتغالظ مع الناس وإيذائهم واحتقار القانون والمؤسسات وغير ذلك من رزايا سنوات حكمه!