بوح واعترافات شخصية: الانفجار (2 من 4)

حجم الخط

وكالة خبر

كانت كتب خالد الحسن، معيننا الذي لا ينضب.. في سنوات الجامعة (الثمانينيات) كانت مطالعاتي تتمحور حول السياسة وقضايا الصراع.. في العصارى جدالات لا تنتهي في حديقة اتحاد الطلبة في الوزيرية، وفي السهرة ما تيسر من كتب، وقبل النوم مقالات "حسن البطل" في "فلسطين الثورة".. وقد بدأت أتخلى عن عادة تلخيص الكتب، تحت ضغط الوقت الذي صار بالكاد يكفي لقراءة الوفير منها، ولحاجتي للمزيد.. سيما وأن عوالم جديدة من القراءات ستتفتّح أمامي.. قصائد محمود درويش، روايات عبد الرحمن منيف، الفلسفات اليسارية والقومية والإسلامية.
في العزل الانفرادي، لم يكن بحوزتي سوى القرآن، ختمته مرات عديدة، وحفظت عشرة أجزاء منه، وصرت متصوفا.. في السجن، ثمة مكتبة ضخمة، ووقت طويل.. في الصباح أطالع الجرائد، بما حوته من مقالات وأخبار، وفي بقية النهار أنشغل بالكتب، ومع تطور الأحداث صار ضروريا أن أكتب.. تقارير إخبارية، المشاركة في النشرة السياسية، وأيضا رسائل للأصدقاء وللمجموعات التي كنت مسؤولا عنها.. تعلمتُ طريقة صنع "الكبسولة"، وطرق تهريبها خارج السجن.. لكن أسلوب كتابتي في البداية ظل كما هو "ركيكا".. إلى أن اطلع الصديق "يونس الرجوب" ذات يوم على رسالة كنت أهم بكتابتها.. لم تعجبه، وبدأ يصحح، ويضع ملاحظاته، إلى أن خرجنا برسالة مختلفة كليا، في الأسلوب والتعابير واللغة.. رسالة فيها رقة أكثر، وإنشاء أقل، فيها تشبيهات وصور متخيلة، وتنبض بالحركة.. ولأول مرة أستخدم تعبيرات فيها الغزل، والتغني بالجمال، والعصافير والكواكب والفراشات... مسكَ "يونس" الرسالة بإعجاب، وقال: هكذا يكون الثائر العاشق..
كان للعمل التنظيمي دور مهم في إنضاج تجربتي الكتابية؛ في السجن كتبتُ في النشرة الثورية التي سميناها "صمود"، والمجلة التي سميناها "سنابل".. بعدها صرت أشارك في صياغة البيانات السياسية والتقارير التنظيمية، إضافة للمنشورات الإرشادية التي كنا نعدها في دورات إعداد الكادر.
عاملٌ آخر سيسهم في صقل التجربة؛ عملي الوظيفي؛ فقد كنتُ من أوائل موظفي وزارة التموين (التي ستصبح وزارة الاقتصاد)، في تلك المرحلة، كانت السلطة تبني لبنات المؤسسات تقريبا من الصفر، بدأت أشارك في صياغة مسودات القوانين، واللوائح التنظيمية، وخطط العمل، والنشرات الإرشادية للمواطنين، والمذكرات التفسيرية في المواضيع المختلفة.. إلى تنبه أحد الوزراء بعد سنوات، إلى أسلوبي في صياغة الكتب والمذكرات، فصار يعتمد عليّ في أغلب المواضيع التي تحتاج شروحات.. بما فيها خطاباته في المناسبات الرسمية.
الكتابة بدافع خارجي تظل مقيدة، وتقليدية، حتى لو كانت سليمة من حيث المبنى واللغة، أما الكتابة الإبداعية فتحتاج دافعا داخليا، تحتاج أرقا وقلقا وخوفا، تحتاج إلى ذلك الشغف الذي يبقيك مشغولا بفكرة ما، أو مشهد معين، لدرجة الإلحاح، قد لا تجد التعبيرات المناسبة في تلك اللحظة، أو تعجز عن الإمساك ببداية مميزة، ما عليك سوى الانتظار، ستأتيك وأنت في مقعدك في "الباص"، تنظر من الشباك إلى الأشجار وهي تركض مسرعة للوراء، أو تنسل إلى منامك، وتيقظك من عز نومك.. وتقول لك ها أنذا حاضرة... لكنها تشترط أن يكون بداخلك جمال يمكنك من خلاله تحويل ما تراه إلى منتج أدبي. الكتابة الإبداعية ليست مجرد موهبة، أو إلهام؛ إنها المحطة الأخيرة لرحلة طويلة ومضنية من التأمل والتفكر، والتفاعل الحي مع المحيط.. هي محاولات الإجابة عن الأسئلة المحيرة، هي إشباع الفضول، والقدرة على الاندهاش أمام أبسط الأشياء.. تبدأ بالكلمات المرتجفة والمرتبكة، وتنمو مع الصراعات الداخلية، وتنضج بالتجارب، ولا يمكنك أن تصبح كاتبا قبل أن تكون قارئا.
في سنوات الطفولة، عملت في بيع الجرائد، كنت أجول الشوارع صباحا، حتى أبيع 30 نسخة، أثناء ذلك أقرأ أبرز العناوين، وتدريجيا صرت أقرأ بعض المقالات.. كنت أظن أن كتّاب المقالات رجال خارقون، وأن مهتهم صعبة، لكنها قابلة للتنفيذ، وصار حلمي من وقتها أن يكون لي عامود صحافي خاص بي، ينتظره القراء بشغف.. أما كتّاب الروايات ومؤلفو الكتب فكنت أحسبهم عباقرة، وأنه ليس بوسعي دخول هذا العالم.
أول مادة نشرتها، كانت في مجلة سورية للأطفال، اسمها "أسامة" كنت في الثاني الابتدائي، وشجعني على ذلك شقيقي "زياد"، يكبرني بسبع سنوات، وطالما صحّح لي، ودقق كتبي، وأعطاني إرشادات مهمة.. قبل أن أمتلك حاسوبا، وقبل وصول اختراع الإنترنت، بدأت أكتب بعض المقالات، بخط اليد، وبالكاد أُطلع بعض أصدقائي عليها، كنت أقلد كتّاب الرأي في الصحافتين الأردنية واللبنانية، مع محاولات خجولة لشق أسلوب خاص بي.. بعد عودتي للوطن، تدافعت الأحداث، وتشابكت المشاهد على نحو معقد، صارت تستفزني أكثر، وصار لزاما أن أسكتها بالكتابة، بدأت أكتب مقالات في مواضيع الساعة، وقد صار عندي حاسوب، فصرت أطبعها، وأوزعها على أصدقائي، وعلى بعض المسؤولين والمهتمين.. أو أرسلها عبر الإيميل.. وطالما حلمت بنشرها في أية جريدة أو موقع إلكتروني.. راسلتُ كل الصحف المحلية دون طائل، طلبت مساعدة أصدقاء ومتنفذين للتوسط لي عند رؤساء التحرير.. كانت أول جريدة مطبوعة أنشر فيها بصورة منتظمة هي "صوت النساء"، وهي جريدة شهرية كتبتُ فيها لأكثر من عشر سنوات دون توقف.. خلالها، نشرتُ بصورة متقطعة في صحيفة القدس، ثم في الصفحة الثقافية ل"الحياة الجديدة"، ثم بصورة منتظمة في جريدة الحدث لمدة عام.. إلى أن اتصل بي الصديق "أكرم مسلم"، وطلب مني إرسال خمسة مقالات لعرضها على "أكرم هنية"، رئيس تحرير "الأيام"، ليرى إذا كان بوسعه ضمي لأسرة كتّاب "الأيام".. وما حصل بعد ذلك أنه نشرها كلها، مباشرة في صفحة "آراء"، ثم خصّص يومين في الأسبوع لعامودي، الذي صرت أكتب فيه ما يحلو لي.. وقد قيل لي أن هذه سابقة، لم يفعلها رئيس التحرير من قبل.
كنت قد بدأت أنشر في المنتديات مع أول ظهورها على مواقع الإنترنت، ثم صار لي مدونتي الخاصة التي أستخدمها كأرشيف احتياطي.. ومثلما كانت أمنيتي أن أكتب في "الأيام"، كان طموحي أن أنشر في "الحوار المتمدن"، قبل أن يصبح متاحا لمن أراد، وكانت فرحتي غامرة بأول مقال أنشره هناك، واختياري في زاوية المقالات المختارة.. وزيادة أعداد زوار صفحتي.