مزيج من كل شيء إلا الإحترام

حجم الخط

وكالة خبر

 

يتعيّن على مخططي السياسات في العالم العربي، أن يطّلعوا على وثائق عقد الستينيات، لكي يستفيدوا من تجربة جمال عبد الناصر التي يختزلونها في نتائج عدوان 1967 التي طُرحت فكرته، منذ العام 1961، وجُمعت لها كل وسائل القوة والدسائس والأذناب، لكي تنهتي ظاهرة التمرد على الغرب في أراضي البترول وجوارها. فمن المفيد أن يأخذ العرب فكرة عن طريقة التعاطي الصائب مع الولايات المتحدة، من خلال تجربة جمال عبد الناصر.

إن موضوع فلسطين، وفي قلبه قضية اللاجئين والعودة، هو سبب العدوان الذي جمعوا له كل قوتهم لشنه على مصر وسوريا والضفة، في مرحلة التوجه الى التنمية ومراكمة عناصر القوة.

معلوم أن الزمن تغير، لكن قضية العودة ظلت على حالها، وحقائق القضية لا تزال ماثلة أمامنا.

كان الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، قد غادر البيت الأبيض يوم 20 يناير 1961 وجاء بعده الرئيس جون كنيدي. وفي يوم 19 يناير أرسل أيزنهاور برقية وداع لجمال عبد الناصر، يقر فيها أنه لم يأخذ منه حقاً ولا باطلاً في موضوع القضية الفلسطينية، لكنه قال لجمال عبد الناصر في الفقرة الأخيرة: "خلال اتصالي بكم، تمكنت من أن أكسب رؤية واضحة عن الشخصية القومية للجمهورية العربية المتحدة ولجوهر قوتها وعظمتها". وفي الحقيقة كان أيزنهاور يريد أن يستغل توتر العلاقة بين عبد الناصر والاتحاد السوفياتي في فترة عامي 1959 و 1960 وفشل في ذلك.

عند تسليم الرئيس المغادر الرئاسة للرئيس القادم جون كنيدي، نصح الأول الثاني أن يركز على مصر، وقال إنها تقود الدول النامية وتؤثر في سياساتها ولها مكانتها الكبيرة لدى الدول المستقلة حديثاً. وما أن بدأ كنيدي فترة ولايته، حتى بدأ هجوم المرتزقة الكوبيين على جمهورية كوبا لإطاحة نظامها، بدعم من الولايات المتحدة. وقفت مصر ضد العدوان على كوبا، فأرسل كنيدي الذي سمع تصريحات عبد الناصر، رسالة يشرح له فيها أسباب وقوف واشنطن في موقف الضد من كوبا، ورد عليه جمال عبد الناصر،  يحمّله المسؤولية عن التدهور في أمريكا اللاتينية، ويقول له إن محاولاتكم التنصل من المسؤولية عن الاعتداء على كوبا والتواطؤ والمشاركة في قتل الوطني الإفريقي باتريس لوممبا، لن تنطلي على أحد، وهي تنال من سمعه بلادكم ودولتكم التي قامت على أساس العدل والسلم الدوليين. وأجابه كنيدي برسالة فيها المزيد من الشرح، وطلب منه التعاون لتسوية الصراع مع إسرائيل. انتظر عبد الناصر قرابة شهرين لكي يرد عليه، ووزع رسالة كنيدي على نحو خمسة عشر مسؤولاً وخبيراً مصرياً، لكي يوافوه بملاحظاتهم على الرسالة، وعندما تجمعت الملاحظات كتب لكنيدي الرسالة الطويلة (من 19 صفحة) التي ظهر فيها للمرة الأولى، التعبير الذي لا زلنا نستخدمه عن وعد بلفور، وهو "أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق"!

بدأ رسالته بالاعتذار عن التأخر في الرد، معللا التأخير كونه طرح موضوعاً يتطلب إعطاءه ما يستحقه من التأني والدراسة، وقال له: "قرأت كل ما كتبتم وصرحتم به منذ أن كنتم تمثلون ولايتكم في الكونغرس، حتى اليوم، وحاولت أن أستشف صورة لموقفكم من فلسطين، من خلال سطور كتابكم عن استراتيجية السلام، وكان إحساسي بما قرأت، يجعلني أعتقد أن هناك زوايا كثيرة في المشكلة تستحق مزيداً من الضوء"!

وكانت الإضاءة على النحو التالي باختصار:

"لقد أعطى من لا يملك، وعداً لمن لا يستحق، ثم استطاع الإثنان، من لا يملك ولا يستحق، بالقوة والخديعة، أن يسلبا صاحب الحق ما يملك وما يستحق"!

و"من سوء الحظ يا سيادة الرئيس، أن الولايات المتحدة وضعت ثقلها كله، في غير جانب العدل والقانون في هذه القضية، مجافاة لكل مباديء الحرية الأمريكية والديموقراطية الأمريكية، وكان الدافع الى كل ذلك للأسف، اعتبارات سياسية محلية، لا تتصل بالمباديء، بل ولا بالمصلحة الأمريكية على مستواها العالمي"!

و"لست أريد منك أن تسمع شهادتي كجندي عاش تجربة القتال في فلسطين بنفسه، وإنما  وثائق الأمم المتحدة ووسيط الهدنة في فلسطين ولجانها، تستطيع أن تثبت لك أن القوات الإسرائيلية لم تستطع احتلال ما احتلته من خلال المعارك، وإنما من العجب أن ذلك تم من خلال الهدنة، وكل ما فعله العرب آنذاك أنهم أحسنوا الظن بالأمم المتحدة وتصورها قوة قادرة على فرض العدل، فقد كان العدل أساساً، هو قوتها وقرارها.."

وتمضي الرسالة في شرح أصل القضية وفصولها، وتنتهي بالقول:"لقد حاولت أن أكون صريحاً الى أبعد حدود الصراحة، وإنني هنا أستلهم قول رسولنا الكريم محمد (عليه السلام) إن صديقك من صَدَقك لا من صدَّقك" وقد يبدو ما قلته، قياساً على أصول اللغة الديبلوماسية، أنني تجاوزت ما تفرضه علي اعتبارات المجاملة، لكنني أؤكد لكم بشرف، أن ما يحكم موقفي ونظرتي الى قضية فلسطين، ليس كوني رئيساً، وإنما الأصل والأساس، هو موقفي ونظرتي، كوطني عربي، وواحدٍ من ملايين المواطنين العرب"!

هكذا تحدث جمال عبد الناصر مع الأمريكيين، فتأسس له عندهم مزيج من الحقد والاحترام والمهابة. قال لهم قرأتكم وعرفتكم واتخذت موقفي وإن لكم مصالح عندنا إحرصوا عليها. أما اليوم، فيقال لهم ــ للأسف ــ لم نقرأكم فنحن لا نقرأ، ونعرف أنكم تحتقروننا ولكم مصالح عندنا، لكننا نطيعكم. لذا تأسس حيال القائلين، إحساس أمريكي آخر، فيه مزيج من كل شيء، إلا الاحترام!