4 شهداء بنيران جيش الاحتلال في مدينتي غزة وخان يونس منذ صباح اليوم
24 نوفمبر 2025 11:46 ص
نشرت في 06 مارس 2018 09:25 ص
ألغى الحزب الشيوعي الصيني فقرة الفترتين الرئاسيتين، في الدستور، لتمكين رئيس البلاد الحالي من البقاء في الحكم مدى الحياة. ترامب علّق على الخبر: "شيء عظيم، ربما يتعيّن علينا أن نجرّب ذلك يوماً ما". أفكّر، الآن، في مرغريت آتوود و"حكاية الوصيفة"، التي عادت لتتصدّر قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض. فاحتمال التجريب، هناك، قائم أيضاً.
ولنبق في الصين. حظرت الرقابة روايتي "مزرعة الحيوان"، و"1984" لجورج أورويل. وهذه ليست نهاية الأحزان. الكثير من برامج التواصل الاجتماعي المعروفة، في كل مكان، محجوبة في الصين. وهذه، أيضاً، ليست نهاية الأحزان، فهناك، مثلاً، برنامج صيني على غرار "تويتر" (عظيم) يحجب مفردات من نوع "لا أوافق"، و"عبادة الشخصية"، و"مدى الحياة"، إضافة إلى الحرف (N).
يسهل التفكير في دوافع حجب المفردات السابقة، على خلفية إلغاء فقرة الفترتين، ولكن حجب الحرف المذكور يبدو مُحيّراً، وقد فسّره البعض بأنه ربما يشير بطريقة رمزية، في الحقل الدلالي للغة السياسة في الصين، إلى الانشقاق. لا بأس. يمكن تأويل كل ما سبق بطرق مختلفة، ولكن حصره في الصين يُفقده الكثير من المعاني. وأهم ما يرد إلى الذهن أن العالم تغيّر.
ليس لأن هذا وغيره يحدث في الصين، فقد حدث في زمن الثورة الثقافية ما هو أسوأ منه، وليس لأن العالم (الكبير، والعربي، أيضاً) أصبح محكوماً ومسكوناً بمَنْ نعرف اليوم من الحكّام، فقد ظهر أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان، ولكن لأننا نشهد تصفية ميراث عصر التنوير بشكل غير مسبوق. لم يكن الميراث مثالياً تماماً، ولم يكن عادلاً، ولم ينج من الكيل بمكيالين، ولكنه أنجب حقوقاً للإنسان، يمكن الدفاع عنها، والرهان عليها في أربعة أركان الأرض.
ولكن ما معنى التصفية؟
للتصفية تجليات مختلفة، الأكثر ادعاء للبراءة يضع قناع التنمية، والنمو الاقتصادي، على طريقة ترامب، الذي علّق على أغصان "تويتر" بعد عودته بالمليارات من السعودية، ورقصة السيف الشهيرة: "وظائف .. شغل". ليس للمال رائحة، كما يُقال، ولكن أحداً من الرؤساء الأميركيين لم يكن ليجرؤ، حتى في معرض السخرية، على وصف تشريع الحكم مدى الحياة، في الصين، بالشيء العظيم، على أمل تجريبه ذات يوم في الولايات المتحدة. فهذه سابقة ذات تداعيات مباشرة وبعيدة المدى، في أميركا، وفي كل مكان آخر، أيضاً. فالترامبية هي المال عارياً من كل قيمة، غير قيمته في السوق، حتى وإن جاء الاحتماء بالقيم لحفظ ماء الوجه.
كان النظام الصيني النموذج الوحيد، بعد انهيار جدار برلين، والكتلة الاشتراكية، الذي قايض شعبه: الدكتاتورية مقابل التنمية والنمو الاقتصادي. وقد نجح إلى حد بعيد في تحويل البلاد إلى قوّة اقتصادية عظمى تكاد تبتلع العالم. وأهم ما في النموذج الصيني أنه الدليل الحي على بطلان فرضية شاعت، واكتسبت حد البداهة، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي: لا تنمية ولا نمو بلا ديمقراطية. وهذه، أيضاً، سابقة، ولها تداعيات مباشرة، وبعيدة المدى في الصين، وفي كل مكان آخر. وفيها ما يُمهّد لطرد الديمقراطية، وحقوق الإنسان، من ضرورات الحكم في الدولة الحديثة. فكّروا في بوتين وأردوغان.
في السابقتين الترامبية والصينية ما ينزل كالعسل على قلوب النخب المهيمنة والسائدة في العالم العربي، هذا الجزء من العالم، الذي يبدو، وبقدر ما يتعلّق الأمر بميراث التنوير، وحقوق الإنسان، والدولة الحديثة، كدرنة غريبة وعجيبة غير قابلة لا للحياة، ولا للموت، وقد أهدى العالم، مؤخراً، سابقتين: الأولى نسيها بنو البشر منذ نهاية الحروب الدينية في أوروبا، قبل قرون، والثانية لا تقبل المقارنة مع شيء آخر: الأولى "داعش"، والثانية حرب نظام آل الأسد على قطاعات واسعة من شعبه. ولكليهما تداعيات مباشرة وبعيدة المدى في العالم العربي وفي كل مكان آخر، وكلتاهما تقبل المحاكاة والتماهي والتكرار من جانب دواعش أديان وقوميات وورثة "جمهوريات وراثية" قائمة، أو ستصبح كذلك في وقت ما.
المهم، أن عالم العرب هذا، بالتوازي مع، ومحاكاة، السابقتين الصينية والترامبية، وقع أخيراً في غرام التنمية والنمو الاقتصادي، بعد تجاهل فاضح في عقود مضت، ويشهد الآن تجليات يصعب حصرها، وبلاغة مفرطة مع تقوى دينية أقل، بشأن بناء مدن جديدة، وشق طرق، وخلق فرص عمل، وتمكين النساء، وحتى التسامح، إلى حد ما، مع عيد الحب في السعودية. في الصفقة الجديدة: الاستقرار، والأمن، والرخاء الاقتصادي، مقابل التنازل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
على أي حال، التعبيرات التي أخرجتها الرقابة الصينية من التداول، هي التعبيرات نفسها المرشحة للخروج من التداول في عالم عربي جديد وشجاع (مع التذكير بألدوس هوكسلي، طبعاً) لا يجوز فيه الكلام عن "عدم الموافقة"، أو "عبادة الشخصية"، أو "الحكم مدى الحياة"، وكلها تعبيرات محتملة في معرض الدفاع عن حقيقة أنه لا تنمية ولا نمو بلا ديمقراطية وحقوق إنسان.
وإذا كان ثمة من ضرورة للتذكير بعبارة شائعة عن كيف يعيد التاريخ نفسه مرّة في صورة مأساة، والثانية في صورة ملهاة، فليس من السابق لأوانه القول: إن في الحالتين الصينية والأميركية ما يوحي بالمأساة، أما في الحالة العربية فثمة ما لا يحرر الرائي من احتمال الكوميديا السوداء. كل ما في الأمر، أن أحداً لا يستطيع التنبؤ، الآن، بما ستنجب الأبجدية من حروف تحل مكان الحرف (N) في الحقل الدلالي للغة السياسة، والتعبير عن الانشقاق، في العالم العربي.