دحلان وفوبيا العُميان

حجم الخط

وكالة خبر

 

 

بعد المتابعة المكثفة، للقاء عضو مركزية فتح، والنائب محمد دحلان، مع قناة "تِن" المصرية؛ تدفقت ردود الأفعال الإيجابية على ما طرحه الرجل، وكانت هناك ردود أفعال على الهامش، جديرة بأن تصبح موضوعاً لدراسة السيكولوجيا الجمعية لأصحابها. فعلى الرغم من خلو حديث محمد دحلان، من أية إشارة تتعلق بدور شخصي يتعلق بطموح الى الرئاسة أو مغنم خاص، وتركيزه على ضرورة إصلاح النظام السياسي الذي لا يختلف اثنان على رزاياه، ودعوته الى اعتذار المخطئين عن خطئهم، وبدأ على هذا الصعيد بنفسه؛ إلا أن المسكونين بفوبيا محمد دحلان، ذهبوا الى سياقات لا علاقة لها بما طرح، وكان ذلك المنحى، يمثل ذروة الصداع والسخونة التي أوقعها الرجل في رؤوسهم ونفوسهم، على تعدد خلفيات مواقفهم واختلاف أنواع الفيروس!

ما قاله محمد دحلان في اللقاء، يقوله كل فلسطيني. وعندما يكون هو الذي يطرح، فإن لهذا أهميته، على اعتبار أن الرجل يقود تياراً من فتح، يعكس تمنيات كادرها كله، مخصوماً منه عنصر التركيز على دحلان أو معطوفاً عليه. ذلك علماً بأن الأمر في الواقع، أن النائب المنتخب في دائرته، والعضو المنتخب في اللجنة المركزية، في مؤتمر عام طبيعي وغير مطعون في نتائجه، لحركة فتح؛ نجح في جعل قرار فصله أضحوكة تتفرع منها مفارقات، لعل أهمها أن الفصل الحقيقي من حركة فتح، حاق بالصامتين العاجزين عن النقد، وهم مجموعة "المركزية" الموالية لعباس، المحكومة بقانون الخوف، والتي تتوسل ابتسامة عباس ورضائه عنها، وما دون ذلك من كوارث وانحرافات، لا ولن تستفز أحداً من أعضائها، ولا تحثه على التداعي الى موقف!   

كان لافتاً أن الصداع الدحلاني الذي أصاب البعض، انتقل الى العيون والعقول. فبدل طرح أسئلة تتعلق بالفحوى الذي طرحه أبو فادي في اللقاء، استثيرت أسئلة أخرى شبيهة بأسئلة الطرشان الذين لا يسمعون. وفي اللغة الأنيقة، يقال عن الذي يطرح رأيه في الموضوع، بأنه موضوعي، ومن يتجاوز عن الموضوع، ويطرح رأياً مُجمّداً أو معلّباً في صاحب الموضوع؛ فلا يكون موضوعياً. لكن ما يدعو الى السخرية من هذه القلة المصابة بالتردي السيكولوجي، هو استدعاء المآخذ غير المنطقية. إحداها التذكير بعملية تنسيق أمني، كان في الأصل تنسيقاً مختلفاً عن التنسيق الراهن الذي يرفضه دحلان ويكرر المطالبة بوقفه. فقد كان ذاك التنسيق لمنع  اجتياح مناطق السيطرة الفلسطينية الأمنية، بذريعة أن العدو الذي يريد أن يجتاح، لديه معلومات عن عملية عسكرية يجري تحضيرها، ويطلب إحباطها بنفسه، وكان الرئيس الشهيد ياسر عرفات قد رفض تماماً مثل هذا الاجتياح، وكان التنسيق هو الحل، لصالح السيطرة الأمنية والمعالجات الأمنية الفلسطينية. وبالطبع، كان ذلك في سياق عملية سياسية جارية. أما تنسيق اليوم، الذي لا تراه القلة العمياء الطرشاء، الموبوءة بالصداع الدحلاني، فلا هو في إطار عملية سياسية، وهو ينطلق من أرض مُجتاحة تماماً. فالمحتلون يعتقلون في رام الله ويقتلون فيها!

في حديث محمد دحلان مع قناة "تِن" تناسى الرجل مشكلته الخاصة، ودعا الى تصحيح يتولاه عباس نفسه، على الرغم من عدم جدارة عباس في تصحيح أبسط توجهاته، وفي رأي كاتب هذه السطور، إن النائب محمد دحلان، زاد أكثر من اللازم، من جرعة الأمل في أن يصحح عباس وأن يجمع الناس وأن يُعدّل البوصلة، لكي يستعيد الفلسطينيون وحدتهم، ويسترد النظام السياسي وحدته، لكي تكون له بوصلة جديدة، ترى المشهد الوطني كما ينبغي أن يُرى، لكي ترتفع أحاسيس المشتغلين بالعمل العام، من مستوى الكيديات وحسابات من يأخذ ماذا، ومن كوابيس الخوف من غزة، وتمسك بناصية الرُشد. ولكي يرصد القائمون على الأمر، المشهد الإقليمي كما ينبغي أن يُرصد، لكي ترتفع إحداثيات الرصد، من مستوى التنصت على هواتف الموالين قبل المعارضين، الى مستوى رصد خطط المتربصين بشعبنا وقضيتنا!

ليس أدعى الى الاحتقار، من هذه القلة التي تركت كل المسائل التي طرحها دحلان، وهو يوازن بين ما قصرت عن عمله القيادة الفلسطينية، وما ينبغي أن تأخذ بناصيته، وعادت الى موضوع ترئيس دحلان بالغصب عن الشعب الفلسطيني، بينما الرجل أكد مراراً، على سفاهة من يقبل أن يفرضه الآخرون رئيساً على شعبه، وعلى حقارة أي تطفل من هذا النوع، يفكر به أي طرف،  إن كان هناك أي طرف يفكر بهذا المنطق!

أما حديث المصدوعين عن الخارج المفترض، الذي يزعمون أنه يتربص، وعن المال المفترض، الذي يزعمون أنه يلعب دوراً، فليتأموا بهدوء، نوع وطبيعة الخارج، الذي يفتك بالنظام السياسي في رام الله، ويفتك بالمصالحة الوطنية، ويعذب غزة الباسلة، وليدققوا في طبيعة المال الذي تلعب به "المقاطعة" في رام الله، لكي يُطاح بهيبة النظام السياسي الذي بات يفقد تأييد الكتلة الشعبية، ولكي يتعزز طابور الموالين الانتهازيين سياقات التردي، وتُحتقر المؤسسات، وتختفي الفجوة بين السلطات، ويُحرم شعبنا من كل أنواع التنمية والخدمات، وتضرب السياسة وحرية الرأي، ويستمر الانقسام!