المطلوب احترام عقل الإنسان الفلسطيني من قبل قيادته

حجم الخط

وكالة خبر

 

من حقنا بل ومن واجبنا أن نشعر بالقلق الشديد على مصيرنا ومصير قضيتنا في هذا الظرف التاريخي العصيب حين نرى هذا التكالب الأمريكي المتغطرس ضدنا وعدم ارتقاء العمل الوطني والسياسي الفلسطيني إلى المستوى المطلوب لمواجهته ، للحيلولة دون إجهاض مسيرة نضالنا الوطني عبر مئة عام واختزالها وتصفيتها وتجاهل معاناة شعبنا وتضحياته عبر عشرات السنين قدم خلالها آلاف الشهداء ومئات الآلاف من الأسرى والجرحى والمشردين.

بعد أقل من ثلاثة أشهر تحتفل إسرائيل بمرور سبعين عاما على قيامها ومرور سبعين عاما ً على النكبة وتشريدنا من وطننا وسلب أرضنا وحقوقنا وتراثنا ومحاولة تصفية هويتنا الوطنية والسياسية والتراثية.

ويتميز احتفال إسرائيل هذا العام بوجود إدارة أمريكية لا تراعي أبسط المبادىء الدبلوماسية في التعامل بين الدول ولا تُقيم وزنا ً للمعاهدات والمواثيق الدولية وقرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية.

فبعد أن أعلنت في السادس من كانون أول الماضي عن قرارها بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس متحدية المجتمع الدولي بأسره ، أعلنت يوم أول من أمس بأنها ستنقل سفارتها إلى القدس في الرابع عشر من أيار القادم كهدية من أمريكا لإسرائيل في احتفالها السبعيني بقيامها متجاهلة حقيقة أن ما يسمى يوم قيام إسرائيل هو نفس يوم نكبة الشعب الفلسطيني وتشريده من وطنه.

ونحن لا نواجه خطوة أو تصرفا أمريكيا ً واحدا وإنما نواجه خطة أمريكية تم الإعداد لها جيدا ً تحت ما يسمى بصفقة القرن تستهدف إغلاق ملف القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع معها بشكل إذعاني.

فهل العمل الوطني والسياسي الفلسطيني على مستوى التحدي المصيري الذي نواجهه ؟

لقد ذهب الرئيس محمود عباس إلى مجلس الأمن قبل أيام وقدم للعالم مبادرة سياسية متكاملة ، تصلح فعلا ً لحل سياسي حضاري لهذا النزاع الدموي على أساس حل الدولتين الذي ما زالت القيادة الفلسطينية تتمسك به رغم أن كل الوقائع والمعطيات التي على الأرض تفيد بأنه لم يعد ممكناً فماذا كانت النتيجة ؟.

صحيح أن العديد من دول العالم ترى في الأداء الفلسطيني أمرا ً إيجابيا ً وربما تُشيد بالانضباط الفلسطيني والإلتزام بالسلام والمفاوضات ولكن هذه الدول تدرك بأن لا نتيجة لحسن أخلاق القيادة الفلسطينية وانضباطها سوى أنه يرفع العتب عن هذه الدول ويُجنب المنطقة المزيد من التدهور نحو الهاوية دون أن يوقفه.

ويبقى السؤال الجدي الذي لا بد من الإجابة عليه : هل تدرك القيادة الفلسطينية بأن لا نتيجة من توجهها نحو المجتمع الدولي تتجاوز حدود الإشادة والتشجيع ومباركة التوجهات السلمية للقيادة الفلسطينية دون أن تُقدم لها مقابلا ً حقيقيا في مواجهة العمل الأمريكي المكرس لصالح إسرائيل ؟

لا شك بأن العمل على الساحة الدولية مهم وضروري ولكننا لا نستطيع تجاهل عملية خلق الوقائع على الأرض التي تمارسها إسرائيل من خلال تكثيف الأنشطة الإستيطانية والتهام المزيد من الأرض جنبا ً إلى جنب مع محاولات أمريكا خلق الوقائع السياسية وكلا هما نسف وألغى حل الدولتين الذي ما زلنا نتحدث عنه.

والملاحظ أننا نعادي إسرائيل في التصريحات والقرارات والبيانات الإعلامية ونعمل معها على الصعيد الرسمي وكأن كل شيء على ما يُرام. فاللقاءات مستمرة مع القادة العسكريين والوزراء الإسرائيليين كما حدث قبل أيام في رام الله وبين الوزراء الفلسطينيين ونظرائهم الإسرائيليين والتقاط الصور التذكارية كما حدث مؤخرا ً في باريس.

لست ضد هذه اللقاءات إذا كانت تتم وفق استراتيجية معلنة وواضحة لا تتعارض ولا تتناقض مع المواقف السياسية المعلنة. فكل ما أطالب به هو احترام عقل الإنسان الفلسطيني والكف عن الاستهتار به والضحك عليه. فلماذا لا نقول للناس ما نعتقد والتوقف عن الإزدواجية في الأداء والقول والتناقض بينهما ؟

أما بالنسبة لأمريكا فإن الأداء الفلسطيني العلني ما زال يقتصر على بيانات الإدانة والاستنكار والهجوم الكلامي دون القيام بأي عمل دبلوماسي داخل أمريكا لمواجهته.

لقد تعلمت من الحياة أن بالإمكان إحداث التأثير من الداخل وأن الخروج من دائرة العمل يُفقد المرء قدرته على التأثير داخلها ولذا فإنني لا أرى أية فائدة من مقاطعة أمريكا وإغلاق قنوات الاتصال الرسمي معها وأعتقد بأننا نخسر من هذه المقاطعة أكثر مما نربح.

علينا أن نبحث عن أية نقطة إيجابية والبناء عليها. فقد أعلنت أمريكا بأن قنصليتها في القدس ستظل تعمل بشكل منفصل عن السفارة التي ستنقل للقدس وستبقى القنصلية على اتصال مباشر مع وزارة الخارجية بواشنطن. وهذا أمر له دلالاته وهو جدير جدا ً بالاهتمام ولا بد من التأكد منه والبناء عليه.

نحن أمام عاصفة هوجاء تقودها أمريكا وبتواطؤ عربي تستهدف إزالة القضية الفلسطينية من جدول أعمال المنطقة العربية وعلينا ، إذا كنا نريد أن نكون ، أن نعيد فرض هذه القضية على جدول أعمال المنطقة إما من خلال الإعلان الصريح عن تخلينا عن فكرة الدولتين ومطالبة إسرائيل بالضم التام ودعوتها للتفاوض معنا على أساس ذلك إذا أصرت هي وأمريكا على المضي في إجهاض خيار الدولتين ، وأنا مع هذا الرأي ، وإما بالتخلي عن العمل الدبلوماسي والعودة بالقضية إلى وسائل السبعينيات مفترضين أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء والمشاغبين وهذا أمر لا أعتقد بأن أحدا ً يستطيع أن يتحمل مسؤولية عواقبه.