أبعد من موسكو ومن واشنطن

حجم الخط

وكالة خبر

 

كان الأديب والشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة، قد نشر في العام 1963 كتابه البديع موسوماً بعنوان "أبعد من موسكو ومن واشنطن" عَرض فيه أمنياته لبناء عالمه الخاص الرصين الجميل في وطنه، بعد أن جرب الحياة في عاصمتي القوتين الأعظم في العالم. فليس أصدق ممن يكتب بعد أن يُجرّب. ولعل تلك، رؤية تصلح مقاربة للعمل في السياسة!

أراد الأديب، أن يقول إن الانبهار بالآخرين، دونما التفات للذات، تأخذ المنبهر الى إحساس بخيبة الأمل العميقة. وفي السياسة، لا قيمة للسفر والمراوحة في المربع نفسه من الكلام، دونما تغيير في الواقع المزري في وطنه. فأن يترك السياسي وطنه ويسافر لكي يعرض شكاية شعبه، من أعدائه، دون أن يعالج شكاية الشعب منه هو نفسه، فهذه مهزلة يفهمها المضيفون ولا يصارحونه. فموسكو وواشنطن، لا تريدان لشعبه أن يتعافى، لذا فإن الأمر ابعد من موسكو ومن واشنطن!

اليوم، وحيال هذا الانسداد الذي يواجهه شعب فلسطين على كل صعيد؛ لم يعد هناك عمل يؤديه السياسي الفلسطيني، أهم من مداواة العلل في الفضاء الخاص لشعب فلسطين، لا سيما وأن نتائج السفر، والانتقال من واشنطن الى موسكو أو من موسكو الى نيويورك، لن تغيّر الواقع، طالما أن فلسطين الرسمية ماضية في إضعاف نفسها بنفسها، فيما رأس نظامها السياسي، يتوهم أنه يصنع المعجزات على الحلبة الدولية، وأنه يفعل الصواب، وليس مهماً عنده أن يكون الفلسطينيون منقسمون، ولا أن تكون فتح مختَزَلة ومنقسمه، ولا أن يكون النظام السياسي بلا مؤسسات، ولا أن يكون الرضا الشعبي عمن يحكمون متعذراً، وأن يكون التنسيق الأمني مع العدو، الذي يُفترض أننا نشكو منه، جارياً، وأن يكون جزء من الوطن محاصراً تماماً ومحروماً ومتعرضاً لـ "عقوبات" الطرف الذي ينطق باسم قضيته، وأن يكون الهواء السياسي في بلاده مسموماً!

عناوين السفر الأخيرة ودواعيها، هي الحصول على مرجعيات متعددة للعملية السلمية المعطلة، وهذه أمنية لن تتحقق ما بقيت الحال الفلسطينية كما على حالها، وبقيت الورقة السياسية ضعيفة، والحُكم ضعيفاً والخصومات الداخلية قائمة، و"العقوبات" المارقة تتقصد الشعب ومناطق الوطن، والسلطة عاجزة عن تظهير الغضب الشعبي من المظالم الموضوعية، وطالما أن كل أشكال المقاومة، إما مذمومة ممن يحكمون، أو يعجز عن تبينها وتصدرها الذين يحكمون!

معالجة الأوضاع الفلسطينية، أبعد من موسكو ومن واشنطن. والسجاد الأحمر في مطارات عواصم الآخرين، محض ومضات بروتوكولية، لا قيمة لها، ما لم يستطع الحاكم استيعاب حيوية شعبه، من خلال معالجة العلل التي تسبب فيها، وجعلته يفقد الرضا الشعبي!

في حال أن تذهب فلسطين الى وحدتها، وتنهض الحركة الوطنية من جديد، ويقف الشعب مسانداً لقضيته، ويكون الحاكمون قد أدوا واجبهم في معالجة علل الأوضاع الفلسطينية، وانتزعوا لشعبهم حقه في الحياة الكريمة، وفي إتاحة آفاق العمل والسفر والعودة والتنمية والطبابة والتعليم للفقراء؛ ستكون موسكو وواشنطن، هما اللتان تجيئان وتعرضان رعاية متعددة لعملية سلمية جادة!

أما السفر لتكرار الكلام الذي يحفظه الآخرون عن ظهر قلب، فلا جدوى منه، وإن كان لا بد من تكراره، فإن الرسائل تُغني، بدل السفر الباهظ المخصوم من خبز الفلسطينيين وطبابتهم، على أن يلتفت الحاكم الخطّاء، الى مشكلته الداخلية، فيستفيد من وقت الصمت السياسي من حولنا، لتسويتها بتكريس المؤسسات والفصل بين السلطات، وتوسيع إطار المشاركة السياسية، ودحرجة الصخرة من فوق مؤسسة الرقابة والتشريع، لكي تقوم من رقدتها وتعمل. عندئذٍ تُستعاد الذات المُضيّعة، ويكون الإنجاز أوقع تأثيراً إيجابياً من السفر الى موسكو ونيويورك!