المنظومة الطبية في غزة

حجم الخط

وكالة خبر

 

تشكو حكومة الظل الحمساوية في غزة، من محنة انقطاع التيار الكهربائي عن مشافي القطاع، وهذه شكوى لها ما يبررها موضوعياً، باعتبارها جزءاً من محنة السكان المحرومين من الكهرباء بفعل فاعلين. لكن الذي تُلام عليه إدارة المشافي في غزة، يتمثل في بعض الظواهر الذاتية لا الموضوعيه، وهي من جنس الفساد الذي أضنى السكان. ومن بين هذه الظواهر، التعطيل المتعمد للأجهزة الطبية اللازمة للتشخيص والمعالجة، التي تبرع بها مانحون ومتصدقون. فقد بات الناس على قناعة، أن التعطيل في مداه الزمني وفي أسبابه، يجري لصالح العيادات ومراكز التشخيص الطبية الخاصة المزودة بأجهزة مماثلة، وهذه مراكز استثمارات تعمل في سوق بائسة، فتعتصر أهالي المرضى، الذين يضطرون الى الاستدانة أو بيع ما يمتلكون لإنقاذ حياة مرضاهم. وكان الأجدر بالسلطات أياً كانت، تنقية نواياها ورفع مستوى مشاعرها الوطنية أو "الإسلامية" إن جاز القول، قبل أن ترقع بالصوت والشكوى من ظلم الآخرين.

الحال المزرية للمشافي في قطاع غزة، معطوفة في جزء من أسبابها، على الحال الأكثر رزاءً في إدارة المشافي، وقوامها ضحالة الإحساس بالمسؤولية وفقدان الأمانة وتفشي نزعات التربح لدى فئات متضامنة من المسؤولين في القطاع الصحي العام والمتربحين في القطاع الخاص الطبي. وهذه ظاهرة تعكس انحرافاً فظاً في الأخلاق، وفساداً يضرب مباشرة في أوجاع الناس المرضى والأصحاء.

يُنقل المريض الى المشفى، فيقال له ولذويه، إن الجهاز مُعطل. يهرع الأهلون بمريضهم الى العيادة الخاصة أو الى مركز التشخيص. وهناك يكون الدفع أولاً. فما هذا العذاب الذي يُلحقه هؤلاء بالمرضى، بينما مادة أحاديثهم هي الشكوى من ظلم عباس والسلطة؟ فهل نرقع بالصوت، ونطلب من الصومال أن ترسل لنا فريقاً مختصاً في صيانة الأجهزة الطبية، يضمن لنا إصلاح الجهاز الطبي المُعطل، بعد دقائق من تعطله، بدل أن يظل خارج الخدمة، لأربعة أشهر، ثم يُعاد تشغليه لكي يتوقف بعد يومين؟

تعطل الأجهزة، على صعيد كل المستشفيات، يفضح الأمر ويؤكد على أن الظاهرة من فعل فاعلين. والفاعلون ذوو خطاب طنان، بلغ في تبجحه الى حد التبشير بأن غزة أصبحت مصدر انتاج سلاح صاروخي وباتت جاهزة لتصدير الفائض الى الجيوش. وفي غمرة هذا الكذب السمج، يتفشى أنين الناس ويزداد شقاؤهم. فمن يطالب بالإصلاح والعدالة والرُشد والصدق، عليه أن يبدأ بنفسه، لا أن يشارك في إطاحة كل المعاني، سواء معاني العمل العام وأخلاقياته، أو معاني الوطنية والمقاومة!

لوحظت أيضاً، غلاظة فاجرة، في سلوك بعض أصحاب العيادات التخصصية، وكأن هؤلاء ليسوا من المجتمع ولا تقع عليهم أية مسؤوليات، ما يدل على أن الثقافة في زمن عباس وحماس تتردى. وسجل بعض الأطباء أصحاب العيادات الخاصة، ردود أفعال إنسانية ووطنية، فأعلنوا استعدادهم للمعالجة بالمجان. وظل الجشعون على دابهم. فعلى سبيل المثال، هناك طبيب أخصائي عيون في غزة، يطلب الكثير كأجر لعملية يجريها، ومن لا يدفع مسبقاً، فإنه يستحق العمى، بينما البقالون يرتضون التقسيط. فالظلم الموضوعي الناجم عن سلطات رديئة، ينتج ظُلمات في العلاقات بين الناس.

بشكل عام، فشلت سلطتا عباس وحماس، في توفير منظومة طبية للشعب الفلسطيني، علماً بأن الكادر موجود وعاطل عن العمل. بتنا في حاجة الى "التحويلة الطبية" لأبسط الأمراض ونتوسلها.

على صعيد الصيانة، نجحت الجامعة الإسلامية في غزة، في تخريج مهندسين مهرة في كل التخصصات الهندسية الدقيقة والإلكترونية، وشاهدنا في الخارج أمثلة كثيرة. وحتى في اللوحات الإلكترونية للسيارات، هناك مهندسون مهرة من خريجي الجامعة الإسلامية في غزة، يعملون بجدارة في بلاد أخرى وفي شركات دولية. فالمشكلة تكمن في المنظومة الإدارية التي أفشلها فاسدون متربحون.    

في هذا السياق، يُلاحظ بؤس الطيف السياسي الذي يُفترض أنه يعمل على خط الثقافة الوطنية ومسلكيات الوطنيين، ويؤدي دوره على صعيد تفصيلات الحياة، ويقف عقبة في وجه مثل هذه الظواهر، ونزعات التربح والخلاص الفردي، والراغبين في تكريس عجزنا عن إصلاح جهاز طبي، لكي يشقى الناس ويتعمق فقرهم!