4 شهداء بنيران جيش الاحتلال في مدينتي غزة وخان يونس منذ صباح اليوم
24 نوفمبر 2025 11:46 ص
نشرت في 02 فبراير 2018 09:52 ص
على الرغم من وجود مسارين سياسيين مخصصين للنزاع السوري، وفي ظل ظروف دولية صعبة ونزاع مستمر وعملية عسكرية تركية في شمال سورية، عقدت روسيا مؤتمر الحوار الوطني السوري في منتجع سوتشي.
كان يفترض لهذا المؤتمر أن ينعقد بعد القمة الثلاثية التي جمعت الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني منتصف تشرين الأول 2017، لكن تساؤلات ولادة مسار سياسي جديد أجّلت انعقاد سوتشي.
موسكو التي أطلقت عملية أستانا بعد المسار الأصلي جنيف، تململت من فكرة الأخذ والرد مع أطراف دولية لا تتقاطع معها في موضوع حل الأزمة السورية، ولذلك هي من استحدثت مسار أستانا الذي دعمته بالطرفين الإقليميين تركيا وإيران وهما صاحبتا مصلحة كبيرة في ترتيب البيت السوري.
غير أن أستانا خصص لجوانب إجرائية تتصل بالبعد العسكري والتركيز على مناطق خفض التوتر المعمول بها الآن في سورية، بينما رأت موسكو ضرورة الخروج من إطار جنيف الجامد بنظرها، إلى إطار أكثر شمولية ويهدف إلى جمع أكبر عدد من الأطراف السورية على "قلب رجل واحد".
هنا جاء مؤتمر سوتشي الذي عقد الأسبوع الماضي، وخرج ببيان ختامي يدعو إلى تشكيل لجنة مؤلفة من 150 شخصاً، مهمتهم تتصل بتعديل الدستور، وتأكيد ضرورة إجراء انتخابات عامة على قاعدة السوريين وحدهم من يقرر مصيرهم.
كانت القيادة الروسية تدرك أن أطرافاً عديدة لن تشارك في مؤتمرها هذا، لاعتبارات كثيرة تتعلق بالجهة المنظمة للمؤتمر التي تلعب دوراً كبيراً في حماية النظام السوري، بالإضافة إلى التشكيك في مآلات هذا المؤتمر.
الهيئة العليا للمفاوضات حسمت أمرها بعدم المشاركة في سوتشي، وكذلك الحال بالنسبة لهيئة التنسيق الوطني وأغلب التنظيمات الكردية التي دعيت للمؤتمر، لكنها رفضت الاستجابة للدعوة الروسية على خلفية ما تعتبره تواطؤاً من قبل موسكو بالسماح لتركيا بإجراء عملية عسكرية تستهدف الأكراد في شمال سورية.
أيضاً لم تشارك الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، لأنها لو فعلت ذلك فسيفسر حضورها على أنه دعم للدور الروسي الدبلوماسي لحل الأزمة السورية، وخرجت تصريحات من هذه الدول تحذر من الالتفاف على مسار جنيف التفاوضي.
من المهم ملاحظة أن روسيا راهنت على الدورين التركي والإيراني في تثبيت مؤتمر سوتشي، وتجنبت الحديث تماماً عن مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد، إذ إن كل قصة إخراج سيناريو سوتشي إلى النور تتصل بجعل موضوع الأسد خلفها، والبحث في قضايا مهمة يمكن البناء عليها.
سبق وأن طُرح موضوعي الدستور والانتخابات خلال جولات جنيف السابقة دون الوصول إلى نتائج مهمة، نظراً لتمسك المعارضة السورية المعتدلة بمسألة إقصاء الأسد ومن ثم الحديث في الأولويات الأخرى، وهذا الأمر دفع روسيا إلى ابتداع طريقة لفصل الشركاء في حل الأزمة السورية عن الرافضين للمسعى الروسي.
الفكرة أن موسكو عدا أنها سعت لإنهاء قصة مستقبل الرئيس السوري وتجاوز هذه المرحلة، فقد فتحت الباب أمام توسيع قاعدة المعارضة التي يمكن لها أن تتفق مع النظام السوري على آليات للخروج من الأزمة السورية.
في مكيال الربح والخسارة، لا يمكن اعتبار انعقاد مؤتمر سوتشي إنجازاً كبيراً، باستثناء الاتفاق على تشكيل لجنة لتعديل الدستور خاضعة للأمم المتحدة، أما غير ذلك فإن المؤتمر لم يحقق ذلك النجاح الكبير نظراً لغياب أطراف كثيرة فاعلة ومؤثرة إن على الصعيد الدولي أو على الصعيد السوري المحلي.
روسيا لم تخسر من عقد مؤتمرها هذا، لأنها وضعت لمسار جنيف سكة للبحث في موضوعي الدستور والانتخابات تحت مظلة احترام وحدة الأراضي السورية ورفض تقسيم البلاد. لكن أيضاً يفهم من رسالة سوتشي أن موسكو يمكنها تعطيل مسار جنيف إذا أخلّ بمصالحها ومصالح حليفها النظام السوري.
وعليه يمكن القول: إن مؤتمر سوتشي منصة سياسية قابلة لإزاحة جنيف إذا لم تذهب المفاوضات في الطريق التي تريدها روسيا، ففي نهاية الأمر ثمة مثل يقول: "من يحضر السوق يتسوق"، وروسيا التي حضرت في الملف السوري العسكري بقوة تريد أيضاً أن تكون حاضرة بقوة في الملف السياسي لجني ثمرة عرق جبينها هناك.
أيضاً تنظر روسيا إلى تركيا على أنها شريك في عملية التسوية، لاعتبار أن الأخيرة خير من يمكنه المساعدة في ضبط الحدود مع سورية، وخير من يفرمل تعاظم الوجود الكردي في الشمال السوري. كما ترى في أنقرة ذراعاً للتأثير على المعارضة السورية التي تدعمها، لجهة تمييع موقفها وجعله مرناً ومستجيباً لممكنات الحل في سورية.
على أن حل الأزمة السورية من الجذور وتسريع كل المسارات السياسية يستوجب أن تضع كل الأطراف الدولية يدها بيد لإنهاء النزاع السوري، خصوصاً أنها من نفخ كثيراً في بالون النزاع السوري، وإذا كانت هناك من مشكلة في البيت الداخلي السوري، فإن مردها الأساس للدول الكبرى المؤثرة في هذا النزاع.
أصل الحل بين الكبار والاتفاق يحدث مع فرقاء النزاع السوري، لأن تلك الدول لو اجتمعت على وضع حد للنزاع السوري، وضغطت على الأطراف السورية للقبول بالحل، فإن الأخيرة سترضخ في نهاية الأمر وتستجيب لمطالب حلفائها الأقوياء.
الرهان على سوتشي سيكون مفيداً إذا كمّل مفاوضات جنيف التي تشكل المحطة التي يتفق حولها الجميع، أما مسألة اشتباك المسارات السياسية فقد يُعطّل الأزمة ويمضي بها إلى استهلاك المزيد من الوقت، لكن الرهان الأكبر ليس في سوتشي وإنما في "الاثنين" روسيا والولايات المتحدة الأميركية.