استقبال أردني لفلسطين

حجم الخط

وكالة خبر

اللقاء الفلسطيني الأردني، يوم 29/1/2018، الذي جمع رأس الدولة الأردنية الملك عبد الله الثاني، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والوفدين المرافقين، وما سبقه من استقبال بروتوكولي رسمي للرئيس الفلسطيني بالسلام الوطني واستعراضه حرس الشرف، وغيرهما من إجراءات، رسالة أردنية واضحة فاقعة لكل عين، تعكس موقف الأردن الواضح الثابت عن: أين هو؟ ومع من؟ وما هدفه؟
الأردن أراد من عملية الاستقبال الرسمي للرئيس الفلسطيني وبما يليق به، أراد أن يبعث رسائل متعددة للداخل وللخارج، للذين يتوهموا بأن الأردن يمكن أن يتورط بأي عمل أو فكرة أو تجاوب لمشروع ضم ما تبقى من فلسطين للأردن نزولاً عند ضغوط أميركية أو إغراءات موازية، وما تبقى من الضفة الفلسطينية مقتطع منها ثلاثة مواقع جغرافية هي: 1 – القدس. 2- المستعمرات الإسرائيلية. 3- الغور، وما تبقى يتم التخطيط الإسرائيلي الأميركي المشترك نحو العمل باتجاهين:
أولاً: وهو الأخطر، بإلحاق مواطني الضفة الفلسطينية بعلاقة ما مع الأردن ويطلق عليها وحدة، إندماج، فدرالية، كونفدرالية، عفاريت، المهم تخليص المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي من مسؤولية إدارة هذا القطاع من الفلسطينيين، ورمي مستقبلهم وتوسعهم ومصيرهم نحو الحضن الأردني، وربط هؤلاء السكان بالأردن، دون أرض، فالأرض إسرائيلية وفق برنامجهم العدواني ومخططاتهم الاستعمارية التوسعية فهي: يهودا والسامرة، يقيم عليها مواطنون يحملون صفة "مقيم" كما هي معاملة أهل القدس من وجهة نظر القانون الفاشي العنصري الإسرائيلي، فالأرض والمياه والسيادة وما تبقى من الضفة الفلسطينية تتبع للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، بينما المواقع الجغرافية الثلاثة: القدس والمستعمرات والغور، فيتم ضمها رسمياً وينطبق عليها ما ينطبق على حيفا ويافا وعكا وصفد وبئر السبع وسائر المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، ومثلما يتم إلحاق وضم ما تبقى من الضفة الفلسطينية للأردن، تُفرض الوصاية المصرية على قطاع غزة بعد أن يُطلق عليها دولة فلسطين العظمى.
ولكن الأردن يرفض التورط بمثل هذا الحل الذي سيكون على حساب شعبه وهويته وأمنه الوطني، لأن الأردن بهذه الحال سيكون الوعاء لاستيعاب تدفقات الهجرة الإجبارية للفلسطينيين نحو الأردن، لأن مساحة ما هو مُتاح لهم دون القدس والمستعمرات والغور، يجعل ما تبقى من أرضهم طاردة لأهلها وشعبها، باتجاه طريق واحدة مفتوحة لهم وهي الأردن.
ثانياً: إذا واصل الأردن رفضه سيتم العمل نحو الاقتراح الثاني وهو إلحاق مواطني الضفة الفلسطينية بدولتهم العظمى المستقلة التي ستعلن من قطاع غزة، وإلحاق مواطني الضفة دون أرضهم المقتطع منها ثلاثة مواقع جغرافية هي: 1 – القدس. 2- المستعمرات الإسرائيلية المقامة على أرض الضفة. 3- الغور، وما تبقى لا تكون السيادة الأمنية فيه للفلسطينيين بل مجرد شرطة في المدن تحكمها البلديات وينطبق عليها القانون الفلسطيني، بلا سيادة، وهذا الحل المقترح يلبي ثلاثة شروط أولها يستجيب لرغبة الفلسطينيين في الحفاظ على هويتهم الوطنية، وثانيها يستجيب للمصلحة الإسرائيلية في التخلص من الديموغرافيا، فالسكان فلسطينيون يتبعون لدولتهم المستقلة في قطاع غزة، دون أن يحققوا الاستقلال والسيادة ولذلك لن يحصلوا على حق المواطنة الإسرائيلية، فالمشروع الإسرائيلي يريد الأرض ولا يريد السكان، وثالثها يستجيب للقرار الدولي لحل الدولتين، مع بقاء الخلاف على تفاصيل وليس على جوهر القضية بأن الأرض كل الأرض للشعب الفلسطيني نصفه مطرود ونصفه الآخر يعيش تحت الاحتلال، والحل الذي يجب أن يُلبي شروط الحل باتجاهين: العودة للاجئين والاستقلال للمقيمين.
وفي هذا المجال وليس بعيداً عن جوهر الموضوع، لا أحد يتوهم بأن معيقات الدعم الأميركي وتقليص وجفاف المساعدات الأخوية من بعض الأطراف العربية، ليس له علاقة بالعمل والضغط على الأردن وإجباره على السير نحو حل سيوفر تسهيلات الدعم والتغطية المالية لاستيعاب حل المشكلة الفلسطينية في الأردن وعلى حساب هويته الوطنية وأمنه الوطني، فالعوامل الضاغطة على الأردن ليست بريئة من هذا الهدف السياسي لإعادة حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خارج فلسطين، كما حصل بعد العام 1948.
استقبال الأردن الرسمي يوم 29/1/2018، لفلسطين الرسمية، في ظل المعطيات والتشويهات والتسريبات الجارية، سيسجل على أنه إحدى محطات الصمود الأردني في وجه الألاعيب الأميركية الإسرائيلية، وإن طاقم الرئيس ترامب وفريقه اليهودي جاريد كوشنير، وجيسون غرينبلات، وديفيد فريدمان، ومعهم الفريق المسيحي الصهيوني المتعصب المكون من نائب الرئيس مايك بنس والسفيرة نيكي هايلي والملياردير اليهودي المتطرف والممول شيلدو ناديلسون، لن تمر على يقظة شعبنا وقيادتنا، فالولاء الوطني والقومي الديني أعمق من أن تمسه ضغوط أو تغيره إغراءات.
زيارات الرئيس الفلسطيني للأردن إنما هي رسالة تستهدف تبديد أي شكوك وإعادة التأكيد أن الأردن رسمياً وشعبياً ما زال ورغم كل الظروف، قانعاً شجاعاً متيقناً بصواب موقفه وانحيازه لفلسطين وشعبها وعاصمتها الخالدة، ولن تثنيه لا الإغراءات ولا الضغوط.
فلسطين بقدسها ستبقى في ضمير الأردنيين لحين عودتها سالمة محررة كما ينبغي أن تكون لأهلها وشعبها مهما تعذر الوقت وبطش المستعمر الإسرائيلي الأجنبي.