هـذيـان سـيـاسـي

حجم الخط

وكالة خبر

نلاحظ أنه كلما تأزم الوضع السياسي، ينادي البعض بحل السلطة... فهل هذا الحل إيجابي ومفيد للقضية؟ أم أنه مجرد انفعال، واستسهال كلامي، وتعبير عن حالة سخط وعدم رضا؟
وإذا أردنا تلخيص أهم النقاط التي ينطلق منها دعاة حل السلطة، سنجد أنهم إما ينظرون لها كعائق أمام الشعب لخوض غمار الكفاح المسلح، أو تصعيد المقاومة الشعبية، أو لأنهم يعتبرونها وكيلا عن الاحتلال، تتكفل بتحمّل تكاليف الخدمات التي يحتاجها الشعب، وضمان الأمن لإسرائيل، دون إنهاء للاحتلال، ودون سيادة حقيقية على الأرض، ما جعل الاحتلال الإسرائيلي أرخص احتلال في العالم.
ومنهم من يرى أن السلطة ستبقى محصورة في هذا الإطار، ولن تتحول إلى دولة، ومنهم من يريد حل السلطة لأنها لم تقدم نموذجا صالحا للحكم، بل إن الفساد ينخر مؤسساتها، ويفقدها مشروعيتها الوطنية.
ومع تسليمنا بصحة هذه الآراء، إلا أننا لا نتفق معها في ما توصلت إليه من استنتاجات، فإذا كانت السلطة بسقفها السياسي دون مستوى الطموح الوطني، ولا تلبي الحقوق السياسية الكاملة للشعب، فلأنها تمثل مرحلة انتقالية، ولأنها مجرد محطة في مسيرة النضال، أملتها ظروف ومستجدات المرحلة.
وفيما يخص المقاومة، لم تكن السلطة بحد ذاتها مانعا أمام المقاومة بأي شكل، حتى أشكال المقاومة التي تدينها بالعلن.
وأكبر دليل على ذلك انتفاضة الأقصى، التي أتت بتشجيع ودعم من السلطة، وقد وفرت لها كل مقومات الصمود.. وخلالها جرَت أعنف المواجهات العسكرية بين أجهزة السلطة والقوات الإسرائيلية، ونفذت فصائل المقاومة عملياتها الفدائية انطلاقا من أراضي السلطة، وفي حمايتها.
أما عن تكلفة الاحتلال، فمن المعلوم أن إسرائيل لا تبني إستراتيجياتها استنادا للتكاليف المادية، لأنها تعتمد بشكل أساسي على الدعم الأميركي، وهي مطمئنة لاستمرار هذا الدعم بما يغطي تكاليف أي مشروع سياسي تقْدم عليه. وقبل قدوم السلطة كانت تجبي ضرائب من الفلسطينيين بما يزيد على حجم إنفاقها على إدارة الاحتلال.
أما بشأن دعوات تسليم الملف الفلسطيني إلى الأمم المتحدة، وإحراج إسرائيل.. فهي دعوات مفرطة في التفاؤل، وغير واقعية، وستؤدي إلى عكس ما تدعو إليه تماما.
فالمجتمع الدولي الذي يراهَن عليه في تحمل مسؤولياته، مشغول بقضايا كثيرة أكثر سخونة من القضية الفلسطينية، التي باتت في مؤخرة اهتماماته.. وفي حالة اهتمامه فهو لا يعرف أكثر من تقديم مِنَح وأموال مشروطة، وكذلك، الرأي العام العالمي، فهو لا يحترم إلا القوي، أما أميركا، فمن الغباء المراهنة على أي دور لها لصالح فلسطين.
واللجوء لخيار الأمم المتحدة سبق للفلسطينيين أن جربوه بعد النكبة، واتضح أن أقصى ما يمكنها تقديمه هو خِيام ومعونات للاجئين، وحصر القضية الفلسطينية في إطارها الإنساني، بعد تفريغها من مضامينها السياسية.
وفيما يتعلق بإحراج إسرائيل، فمعروف أنها لا تقيم وزنا للشرعية الدولية، ولا تحفل بقرارات الأمم المتحدة، إلا بمقدار تضرر مصالحها، أو تعرضها لضغوط دولية.
أما "الإحراج"، فهو مصطلح لا وجود له في قاموس الحكومة الإسرائيلية، وحتى لو أعادت إسرائيل احتلال الضفة مرة ثانية، وتسبب لها ذلك بإحراج سياسي، فإن هذا الإحراج لن ينـزع عنها الشرعية، ولن يتسبب بعزلتها، أو بفرض عقوبات عليها، ولن يؤدي ذلك لإنهاء الاحتلال، وأقصى مدى يمكن لهذا الإحراج أن يصل إليه، هو الضغط الدولي على إسرائيل لتحسين مستوى خدماتها للسكان.
حل السلطة سيكون مقدمة لحل منظمة التحرير، وبالتالي لن يكون للشعب من يمثله أو يقوده، أو يعبر عنه، أو يطالب بحقوقه.. وعليه البحث عن كيان جديد، بصيغة مختلفة وانتظار خمسين سنة أخرى! ما يعني ضياع هذا الإنجاز المهم والعودة بالشعب الفلسطيني إلى ما دون نقطة الصفر، وتفتيت الكيانية الفلسطينية إلى ما كانت عليه في الخمسينيات؛ أي جموعا من اللاجئين تنتظر فتات الأمم المتحدة، وأحزابا سياسية متناحرة تتجاذبها دول المنطقة.. ويعني تبديد كل التضحيات التي قدمها الشعب لبث الروح في قضيته بعد أن تراكم عليها الغبار في أروقة الأمم المتحدة، ويعني التفريط بأنهار الدم التي سُفكت على عتبة الحلم الفلسطيني، ويعني الارتهان والتبعية للأنظمة العربية لتصبح ذكرى معارك الثورة لصون القرار الوطني المستقل كحلم عبثي أفنينا من عمرنا له سنين بالمجان.
وحل السلطة سيؤدي إلى الفوضى الأمنية، التي ستأتي على الأخضر واليابس، وستسبب الانهيار الاقتصادي الشامل في الأراضي الفلسطينية، ما يعني زيادة معدلات البطالة، ونسبة من سينزلون تحت خط الفقر، وما سينتج عن ذلك من مشاكل وتبعات ستعجز جميع منظمات الأمم المتحدة عن حلها.
حل السلطة يعني قيام إسرائيل بإعادة احتلال الضفة، وإعادة الإدارة المدنية، وتحت حجة فرض النظام ستعمد لضرب فصائل العمل الوطني، وستشن حملة اعتقالات واسعة للحيلولة دون إعادة إحياء خيار المقاومة، أو اندلاع انتفاضة جديدة.
وستواصل جهودها القديمة في خلق قيادة بديلة، باعتماد سياسة الفوضى المنظمة، وستستغل حالة الفراغ، لتنفيذ مخططاتها وتحقيق رؤيتها للحل النهائي دون أن يزعجها أحد، فإذا كانت إسرائيل تواصل الاستيطان مع وجود السلطة، فإن غيابها سيوفر لإسرائيل المناخ الملائم لإتمام مشروعها الاستيطاني، وقضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية قبل أن يبلور المجتمع الدولي أي حل.
ليست السلطة بحد ذاتها هدفا نسعى إليه، ولا هي صنم نعبده؛ بل هي تتويج لتراكم نضالي خاضه الشعب الفلسطيني على مدى عقود، أدى إلى تسوية سياسية (مجحفة)، جاءت في ظل ظروف إقليمية ودولية مجافية وصعبة، وهذه السلطة يعتريها الكثير من السلبيات، إلا أنها إنجاز وطني يجب الحفاظ عليه وتطويره، لتكون مقدمة لبناء الدولة المستقلة.
بدلاً من حل السلطة؛ يجب التفكير بالخيارات البديلة، والتي يمكن أن تؤدي الغرض نفسه وأكثر، ومن دون تقديم هدية مجانية لإسرائيل تتمثل بإنهاء الكيان السياسي الفلسطيني، أو منحِها الوقت والغطاء لتمرير سياساتها. فمثلا، تغيير صيغة وعلاقات السلطة الوظيفية والأمنية مع إسرائيل، أي إلغاء الاتفاقات الاقتصادية المجحفة (بروتوكول باريس)، ووقف التنسيق الأمني.
كثيرٌ ممن يدعون لحل السلطة، لا يقدمون بديلا، وكل ما في ذهنهم أفكار غامضة وتصورات غير واقعية، وأكثرهم لا يشاركون في أي فعالية مقاومة، حتى لو كانت تضامنا مع الأسرى، أو المشاركة في جنازة شهيد.. بعضهم جُـلَّ همه أن يختفي أبو مازن، وأن تفشل فتح، وأن يبدو هو في مظهر الثائر المتطهر صاحب الرؤية الثاقبة.