خواتيم سعد الدين إبراهيم

حجم الخط

وكالة خبر

 

في حادثة صغيرة، اصطنعها بِضعة طلاب فلسطينيين، تلقى سعد الدين ابراهيم، داعية الحقوق المدنية في مصر ورئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية؛ درساً بليغاً أثناء وجوده ضيفاً على جامعة تل أبيب، في واحدة من رحلاته للتلاقح الثقافي مع القوى الباغية التي تمادت في ظلمها واستعلائها وجرائمها. فكأنما الرجل الذي بلغ الثمانين من العمر، وقد افتُتنَ بإسرائيل، لم يقرأ الوقائع التي بَرهَنْت فيها دولة الغزاة الصهاينة، على احتقارها للمجتمع المدني، وإطاحتها العدالة وتكريسها للتمييز العنصري بين سكانها، أو كأنه، وهو الذي امتشق اسم ابن خلدون، لم يُحسن قراءة المقولة الشهيرة لمؤسس علم الاجتماع، التي تؤكد على أن "الطُغاة يجلبون الغُزاة" فأحب الغزاة دون أن يفلح في عمله الاجتماعي في تنمية ثقافة الصد الشعبي لممارسات من يسميهم الطُغاة!

لا نعلم ما الذي كان يقوله سعد الدين إبراهيم في جامعة تل أبيب. فلو كان فيما يقول، يركز على الطاغية الصهيوني، ويطرح رأياً منصفاً للجماهير العربية المظلومة التي تعيش في بلادها، تحت حكم احتلالي يُسمى دولة ويصفها الغرب بأنها ديموقراطية؛ لما كان الطلاب الفلسطينيون من سكان هذه الدولة، قد استشاطوا غضباً في وجهه، ولما نَفَدَ صبرهم واتهموه بخيانة مصر وفلسطين اللتين يربط بينهما حَبلٌ سُرّي، ولما هتفوا مذّكرين بنضالات الشعبين المصري والفلسطيني.

لنفترض أن سعد الدين إبراهيم، كان يُلمّح الى بشاعة السياسات العنصرية الإسرائيلية، فما الذي يمكن أن يضيفه هذا الرجل لما قاله ويقوله أكاديميون إسرائيليون مرموقون، من بينهم شلومو ساند أستاذ التاريخ المرموق في الجامعة نفسها. أليس من الغباء، أن يلبي هذا الأكاديمي الثمانيني دعوة جامعة تل أبيب، في الوقت الذي تتنادى جامعات الغرب نفسه، لمقاطعة أكاديمية لجامعات دولة الاحتلال العسكري؟ ألم يكن الأكرم له، وهو المُصنّف كصديق للأمريكيين، أن يدعو من القاهرة الى رفع الظلم عن المجتمع المدني الفلسطيني في بلاده، لكي يعرف الأمريكيون أن أصدقاءهم في البلدان العربية، لا يحتملون السكوت على الفظاعات الإسرائيلية؟ فإن كان الرجل يرى نفسه، داعية نضال ضد الطغاة، أليس الأجدر به إدراج إسرائيل في قائمتهم، فضلاً عن كونها قوةً غازية؟ فمن قبائح المصادفات، أن إسرائيل موجودة في شقي معادلة ابن خلدون الذي يتسمى باسمه مركز سعد الدين إبراهيم المستأنس بالدعم الأمريكي المادي والمعنوي. فإسرائيل طاغية في الداخل، وغازية من الخارج، لذا فإن خفة سعد الدين إبراهيم وهُراءه وبجاحته، جعلته يتغاضى عن حقائق المشهد. ومن يتغاضى عن حقائق المشهد، لن يكون صاحب رسالة للعدالة والتنوير والارتقاء بثقافة المجتمع المدني حتى في القرية التي نشأ فيها في محافظة الدقهلية!

لقد أحسن الطلاب الفلسطينيون والطالبات،  اختيار عبارات الهجوم على سعد الدين إبراهيم، عندما هتفوا لمصر مع هتافهم لفلسطين، وأظهروا وعياً اجتماعياً وتاريخياً وسياسياً لم يصل اليه ذلك الثمانيني الضال!

لعل الناعقين الذين سُمعت أصواتهم في الآونة الأخيرة، وهم يمتدحون إسرائيل؛ يتأملون الموقف ويعرفون موقعهم على خارطة الوجدان العربي، فيما هم يمالئون الغُزاة، في أوقات عربدتهم ومجاهرتهم بكل العداء والسفاهات للعنصر العربي. أما الفاشل الذي زار جامعة تل أبيب، فقد جمع بين ذميمتي الولاء للطغاة والغُزاة، واستحق الإدانة من مجتمعي فلسطين ومصر وسائر المجتمعات العربية، بل إن محامياً وطنياً مصرياً يُدعى سمير صبري، تقدم ببلاغ للمستشار نبيل صادق النائب العام، يتهم سعد الدين ابراهيم بالخيانة والتطبيع مع اسرائيل، مطالباً بإحالته الى المحكمة الجنائية بعد إلقائه محاضرة فى تل ابيب عن ثورات الربيع العربي، لكي يهجو قوى اجتماعية عربية ومؤسسات وشخصيات وطنية، وأمام مَن؟ أمام بني صهيون. إن هذه هي خلاصة خواتيم سعد الدين إبراهيم!