العنتريات الخطابية واللفظية

حجم الخط

وكالة خبر

حتى أكون واضحاً، فإنني لست منصة للدفاع عن أي قائد أو سياسي أو حزبي أو فصائلي أو محلل سياسي في فلسطين، ولست ناطقاً بلسان أي كان من حيث منصبه أو موقعه، وأعتبر أن هناك قصوراً سياسياً في التعاطي مع قضية اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وتطويره باتجاه تجذير هدف إنهاء الاحتلال وإلزام المجتمع الدولي كأداة ضغط لتحقيق هذا الهدف.
في كل مرحلة مفصلية من مراحل نضال شعبنا تتضخم العنتريات الخطابية واللفظية واستخدام كل القدرات الخطابية؛ لصب جام الغضب على الداخل الفلسطيني، وتخفيفه عندما يصبح الأمر متعلقاً بنصرة القدس، وتأكيد أنها عاصمة فلسطين وكل الطاقات باتجاه إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، وتصبح مفردات الخطابة تركز على أن آخر المخلصين للقدس هو صلاح الدين الأيوبي وما بعده انتهت الأمور، وترتفع الوتيرة من عيار أن الجميع يسعى للقدس الشرقية عاصمة دون تحديد وقد نختلف على المضمون، ولا تقيم العنتريات قيمة لتأكيد أهمية وحيوية الإجماع الدولي ضد قرار الرئيس ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إلى القدس، ونظل نخطب كأن المتلقي غائب أو مغيب ولا يجوز له أن يناقش في مضمون ما ألقي على مسامعه.
العنتريات تريد إيقاف التاريخ عند مرحلة تاريخية محددة، وما بعدها لا يوجد أي حدث تاريخي يليق بالحديث عنه ضمن خطاب العنتريات، ويركز هذا النمط من الخطاب على الانتقائية من خلال قص جزئية من هنا وجزئية من هناك لتعزيز العنتريات، وما غيره ليس مهماً سواء التسلسل التاريخي ضمن منهج متكامل علمي، ولا يعقل أن نجمد التاريخ وتسلسله عند لحظة بعينها ومن ثم نبدأ بالتكرار حوله لكي ندين حاضرنا ومواقفنا النضالية التي تصدت لبوابات إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى وقام الجميع ضد بيوع بطريرك الأرثوذكس لأملاك البطريركية، والاحتجاجات لتثبيت القدس عاصمة فلسطين وينعتوا هؤلاء بأنهم لا يريدون القدس بل أراضي مقام النبي موسى، وكأن هذه الحشود لا بوصلة لديها وكأن من يخطب بعنتريات في معمعان الوغى صوب القدس!!
والمحزن أن أصحاب العنتريات لو قلنا لهم: ضمنوا الخطبة "مقاطعة المنتجات الإسرائيلية" أو"تشجيع ودعم منتجات الدول التي صوتت لجانبنا في الأمم المتحدة"، يستخفون بالأمر، ويقولون: هذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى هذا الجهد، ولكنهم جاهزون للتهجم على الكل الفلسطيني دون تمييز وحتى من يقاطع المنتجات الإسرائيلية، ولا يتكرمون علينا بذكر أهمية إنهاء الانقسام والمصالحة من باب أنهم يرون ما لا نرى.
يتقن البعض تحويل الأنظار عن مخاطر العنتريات الخطابية لصالح أن من يغضب منه أشخاص وجهات ولا يريدون أن يفتحوا نقاشاً موضوعياً حول أهمية الكلمة الموزونة كمخزون إستراتيجي للشعب وفعاليات نصرة للقدس عاصمتهم، وضرورة العناية بالكلمة والتميز بين الموقف الشخصي الذي يريد تجميد الإخلاص للقدس عند مرحلة معينة تاريخية، ولا يريد أن يرى تلك الحشود الشعبية التي تنتصر للقدس ولا بلورة إجماع دولي مضاد، ولا التحول برؤية قوة عالمية للاحتلال وانتهاكه للقانون الدولي الإنساني وميثاق جنيف الأخير على وجه البسيطة.
الكلمة أمانة مسؤولية، وليست مسألة عابرة بلا قيمة، ومن أراد أن يقول الكلمة يجب أن يكون مسؤولاً واعياً مدركاً لأثرها ومؤمناً بأهمية تقوية بنية المجتمع الداخلي وتصليب مناعته، وليس من حق تحت ستارة حرية الكلمة أن يضرب من شاء مناعة المجتمع، وألا يعزز قوته وصلابته، وتلك أمانة أسندت للبعض يجب أن يؤديها.
وخاتمة القول: لا يعقل أن تذهب قلوبنا على بعضنا البعض لنستمع للخطبة وأن نخرج متفرقين متشاحنين؛ لأن الخطيب لم يفرق بين مسؤولية الكلمة ووحدة المجتمع والتزام قاعدة الالتزام بحصافة ورزانة الرأي أفضل من التفرد بصواب يشتت ولا يجمع ويترك آثاره السلبية ولا يخلف أي إيجابية.