عنصر المال في الهجوم علينا

حجم الخط

وكالة خبر

 

رغم غرابة أطواره، وما يتسم به من غلاظة في التجرؤ على كل تقاليد السياسة والاجتماع، ليس في وسعنا الاستهتار بعزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قطع المساعدات عنا، أو بعزمه قطع المساعدات عن الدول التي تصوت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لصالح قرار المطالبة بالتراجع عن إعلانه عن القدس عاصمة لإسرائيل.

نتذكر جميعاً ما حدث في الأمس القريب، عندما رعت الولايات المتحدة، من موقعها كمركزٍ لإدارة حركة نقل الأموال بالدولار، كيف التزمت الأطراف الإقليمية والدولية، بعدم تحويل أية أموال لحكومة الوفاق الفلسطينية التي تشكلت بعد فوز حماس في انتخابات يناير 2006. وحيال ذلك الإجراء، لم تكن هناك أية خطة عربية أو دولية بديلة، للالتفاف على القرار الأمريكي ومحاصرته، وتأسيس قاعدة أخرى للتعاملات المالية، ضمن عملية شاملة وموّسعة، لكف يد التسلط الأمريكي على مقدرات الشعوب. وبالطبع ساعدت وضعية التناقض آنذاك، بين منهجي حماس والسلطة، على تسهيل محاصرة فلسطين ومفاقمة أزمتها الداخلية، لأن الطرف الذي تسلم الحكم، لم يكن يريد الاقتناع، بأن السياسة في الإقليم، محكومة لطبائع التعاملات المالية بالدولار، وهذه محكومة بدورها للأوعية النقدية التي تُضخ اليها عوائد البترول، وأن شؤون حياتنا تتطلب خطاباً سياسياً مدروساً، لا يكون حُجة علينا بمعايير القياس عند الآخرين. وكان مكمن الخطأ في رؤية حماس، اعتقادها أن العملية السلمية سهلة ومتاحة وأنها وراء الباب، وبالتالي لا بد من التعجل في رفضها والإعلان عن برنامج المقاومة المسلحة التي لا تتثاءب ولا تتوقف مهما كانت ظروفنا. كان الأصح، هو عزوف حماس عن الحكم، لأنها ونحن معها، لا نملك عناصر الحرب المفتوحة، ولا عناصر الاكتفاء الذاتي، وليست لدينا سيادة. فالبنوك عندنا محتلة، وقد باتت اليوم تتقصي مآلات الألف دولار التي يرسلها الإبن لأمه، لكي تتأكد من براءة المبلغ،  وأصبحت كل خطوطنا مع الخارج، تمر عبر البوابة الإسرائيلية، ثم إن رجب طيب أردوغان نفسه، وهو أيقونة الإسلامويين الذي يملك السيادة والخطوط المفتوحة والبنوك الحرة والاقتصاد القوي، لا يستطيع تمرير السياسات القصوى التي يتمناها، ولا الانقلاب التام على منهجيات أسلافه العلمانيين، بمنطق سيد قطب أو أبي الأعلى المودودي. كذلك هو حال "حزب الله" الذي يستنكف عن الرد على الضربات الإسرائيلية له في سوريا، ذلك أن السياسة تظل سياسة، والأيديولوجيا هي الأيديولوجيا. فلم تنجح أية تجربة في العالم، حاول أصحابها المطابقة بينهما!

ذلك الفشل الذي مُنيت به حماس في الحكم في غزة، يقابله فشل أكبر للحكم في رام الله، إذ لم تدرك السلطة، أن لغة التماشي مع الأمريكيين، لن تجلب لنا شيئاً معقولاً، فاعتمدت أسلوب الكذب على النفس وكأننا صدقنا أن واشنطن يمكن أن تصبح وسيطاً نزيها، وأصبح حالنا كمن ينتظر من الأمريكيين الترفق بنا وتقديم تسوية بحجم لقمة خبز، يزعم عباس، بها وبعدها، أنه انتشل الدلو من البئر وجلب استقلالاً. وكانت الطامة الكبرى، انقلاب حماس على النظام السياسي الذي جعله القائمون عليه هزيلاً، لكي تؤسس منصة للمقاومة، ومضى عباس في منهجيته السياسية الفردية، يحاول تأسيس منصة للسياسة، يجلس عليها وحده، ومن ورائه مجموعة صغيرة من المساعدين معظمهم بلا مواهب ولا مناقب، مع الإصرار على إقصاء الأصوات ووجهات النظر كلها، لكي لا يحاسبه الذين ينتظر أعيطتهم على أية كلمة تخرج من الإطار السياسي الفلسطيني. فقد وجد الحل الذي يلائمه، وهو ألا يكون هناك أي صوت في الإطار، وألا يكون هناك طرف ذو شأن سواه. وبالمقابل، ظل نتنياهو يمارس منهجيته السياسية، ومعه الأطياف الأكثر جنوناً وتطرفاً، ولا يستحي!

في ذلك السياق، كان الطرفان المتخاصمان، يجهلان أو يتغاضيان عن حقيقة مركزية، وهي أن العدو يعارض خيار السياسة بقدر ما يعارض خيار المقاومة بالنيران، وربما يعارض الخيار الأول أكثر، لأن إحباط خيار المقاومة المسلحة، تتكفل به القوة الغاشمة، وهو أسهل من إحباط خيار السياسة عندما تكون وراءة منظومة سياسية فعالة. فخيار المقاومة، معناه الحرب، وهذه ستكون أمام الأمريكيين وغيرهم، عندما يضرب العدو ويقتل ويرتكب الجرائم، محمياً سياسياً بزعم أنه يمارس حق الدفاع عن النفس. ففي هذا الخيار، نكون بالمعايير الموضوعية الأمريكية، قد أكلنا العقلة ثم أصبح الحق علينا. قلنا لإخواننا آنذاك، أننا غير مؤهلين لخوض حرب فورية، في ظروف إقليمية ودولية لا تساعدنا على خوضها!

اليوم تمادى المحتلون والأمريكيون، في إحباط الخيارين، ولم نعد نملك سوى أنفسنا، ولدينا خيار إعادة اللحمة وتأسيس النظام السياسي الذي يفرض احترامه، ويحتكم الى المحددات الدستورية والقانونية، لأن مثل هذا النظام وحده، هو الذي يمكن أن نبني عليه منهجية العمل الوطني الرصينة، وهو الذي يجعلنا نصمد أمام هبوب الرياح، وفتح ثغرة في انسداد السياسة والمقاومة.

أما متاهة الخصومة التي أدخلنا فيها عباس الذي يتفرد، وتقاطعاتها وتعدد مساراتها بالطول والعرض، فهي سياق للاندثار، وبالمختصر المفيد، ليس عباس هو المؤهل للبدء في المشروع البديل. ثم إننا مقبلون على حصار مالي بقرار أمريكي، وحتى أسلوب نقل المال بالحقائب، وفقدان أجزاء معتبرة منه، إما لتسليك الطريق والوصول، أو للضبط والمصادرة وعدم الوصول؛ لم يعد متاحاً لأسباب معلومة.

كان ولا يزال منهج الحكم غير الرشيد، سبباً رئيساً في فقدان الحد الأدنى من التنمية والاعتماد على تغليظ الجباية واعتصار المجتمع مع استدرار الدمع طلباً للغوث، وحرمان شعبنا من فرص النمو الاقتصادي وتخليق الإيرادات. فقد ظللنا نستجدي المساعدات، ونشكو الذين يتهددوننا باحتباسها، وكانت كل هذه الرزايا مجتمعة، من صنع الطبقة السياسية المتنفذة في الضفة وغزة!