دوران التروس الصغيرة

حجم الخط

وكالة خبر

 

بدأت تُسمع في الآونة الأخيرة، أصوات عربية تحاول النيل من حقائق فلسطين وقضيتها. وقد أشعلت تلك الأصوات، مواقع التواصل، وذهبت ردود الأفعال الى وجهات عديدة، اتسمت بالاستنكار وتناول بعضها الشعوب التي تنتمي اليها هذه الأصوات التي لا يختلف اثنان، على كونها من تدبير حلقات أوسع من داخل المخاض السياسي العربي!

منذ أن اخترع الإنسان آليات نقل الحركة الدورانية، وصَنَع النبغاء الأولون في التاريخ، العجلات أو المسننات المستديرة الصغرى، التي تتعاشق مع أخرى أكبر منها فتحركها بسرعة أقل من سرعتها؛ يكون هناك لدوران العجلات الصغيرة وجهته وعزمه ووظيفته الموصولة بالمسننات الكبري، إذ تسمح للحركة بالانتقال التام. ولعل هذه النظرية، هي وحدها التي تفسر لنا في السياسة، حركة التروس العربية الصغيرة التي تتعاشق مع التروس الكبرى وتدور لكي تنتج الهذيان عن القدس وفلسطين وحتى عن الديانة والحقائق التاريخية والعتبات المقدسة!

بقدر ما يعلم البسطاء في السياسة قبل الفطناء، أن هذه التروس التي لا تزال تدور، ليست هي التي صنعت نفسها، لكي تقول مثلاً إن القدس لليهود وإن إسرائيل تستحق أن تكون تاجاً على الرؤوس؛ يعلم الجميع أن تلك الأصوات الصغيرة لا تدور منفردة، وإنما تتعاشق مع التروس الكبرى التي تنقل اليها العزم ببطء. لكن غباء الصانعين، جعلهم يظنون أنهم غير مرئيين، وأن الحركة لا تدل عليهم، وأن الأمر في سياق العملية كلها، يفضح ويثير السخرية ويقدم لنا بعض الطرائف الناجمة عن مدى جهل صانعي المسننات وعن التردي في السباكة!

واضح أن صانعي التروس العربية القليلة التي تدور الآن بالتزامن، لم يحرصوا على محو أمّيتها الثقافية، قبل تحريكها ودفعها لأن تتفلسف فيما هي لا تعرف أصول الكلام. وليس للمدعو عشقي، السعودي، أو لأيٍ من العاملين معه، نصيبٌ من التهيؤ للمهمة، سوى الاسم العشقي الذي يدل على التعاشق، كما في عملية نقل الحركة في متواليات التروس. ولو افترضنا مثلاً، أن المحترم اليهودي شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، ومؤلف كتاب "تلفيق إسرائيل" قد حل ضيفاً على برنامج حواري، يقابله فيه بعض ممثلي التروس العربية الصغيرة؛ فإن الرجل سيُغمى عليه من الضحك، وستأخذه السخرية الى خارج الموضوع، بعد الاستمتاع بهذيان هؤلاء الضالين ومن يدفعونهم الى الحركة. أو ربما يضطر السيد شلومو، الى تقريع مقدم البرنامج، على الإهانة التي يمثلها وضع رجل مثله، وهو عالم تاريخ واجتماع، في مواجهة معتوهين عرب من هذا الطراز، هذا إن لم يكن اللقاء نفسه، بالنسبة له، من تدبير الأوساط الظلامية العنصرية اليهودية التي تتهمه بالخيانة، لكي تقول له أيها الخائن أنت تتعب نفسك وتغوص في البحث التاريخي، بينما هؤلاء العرب الجهلة لا يستحقون إنصافاً وإنما يستحقون العبودية!

غير أن المؤشر الخطير، على الظاهرة الجديدة العبيطة، التي لن تصنع لنفسها جمهوراً إلا بعض انتهازيين وحثالات؛ يذهب بنا الى تمحيص دوافع صانعي التروس. فهؤلاء، لفرط غبائهم، يظنون أنهم من خلال التشكيك في مُدركات القضية الفلسطينية وحقائقها، يضربون الخطاب الإيراني، بينما الأمر في الواقع، على العكس تماماً. فهم يُغذون هذا الخطاب دون أن يعلموا. وكيف يعلم الجاهلون؟! فضلاً عن ذلك، فإن لغتهم الجديدة التي استندت الى مرور اليهود الى فلسطين ومكوثهم فترات قصيرة، تنطبق على الجزيرة العربية التي مكث فيها اليهود قروناً مديدة، ما يعني أن غباء التروس العربية الصغيرة، من شأنه لاحقاً، تحريك الدوعة الأصولية اليهودية، للمطالبة باليمن ويثرب وتَيماء وخيبر ودوس واليمامة ونجران ودَوْمَة الجندل وغيرها!

ظاهرة الأصوات العربية المحابية لليهودية الصهيونية، تدل على سخافة مفضوحة، في المنافسة مع الإيرانيين، على من يربح سليقة الناس البسطاء. وبمنطق الجهل والتجرؤ على ثوابت الأمة، يربح الإيرانيون، لأن قضية فلسطين لا تدحضها التروس الصغيرة ولا المُسننات الكبرى. فقد لاحظنا منذ وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، أن المعنيين بشطب إرثه وتسفيه خطابه، كانوا يهجمون على فلسطين ويجعلونها لا قضية، وأن شعبها باع أرضه، لكي يجعلوا عبد الناصر رجلاً مغامراً في الاتجاه العدمي الخاطيء. بل إنهم استفادوا من الهزائم نفسها، التي تكالب المستعرون وتعاشقت دولهم الكبرى بكل مقدراتها، لإتاحتها للصهيونية وضرب مصر. فلم يشرحوها بمنطق أسبابها وإنما بمنطق نتائجهاـ وقيل في السياق أن الأمريكيين سيأتون وينشرون الرفاهية والخير في مصر. ولما جاءت النتائج عكسية، وذابت الثلوج، على الرغم من الفعل العسكري الباهر في حرب 1973 بالقوة التي أعدها عبد الناصر، أصبح الإنجاز العربي نفسه، بجريرة غياب الرؤية الصحيحة لسياقه التاريخي؛ مدخلاً لإلحاق الهزيمة بالحياة العربية كلها، وتفتيت وحدة المجتمعات وإزكاء الصراعات البينية العربية. أما جمال عبد الناصر، الذي تحل ذكرى مئوية ميلاده في العام الجديد، فقد عاد الى الوجدان، واستُذكرت مروءته!

لا يصح الرد على أصوات التروس الصغيرة، بإغفال الدور الأساس للمسننات الكبرى، كما لا يصح الرد عليها بتناول الشعوب التي تنتمي اليها هذه الأصوات، بالتعريض، بينما الشعوب والمجتمعات، حاضنات للوعي الصحيح وللفضائل!