بؤس جلسة الغد

حجم الخط

وكالة خبر

 

تصلح جلسة الإطار الوسيط بين المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي دعا رئيس السلطة الى عقدها غداً، بحضور حركتي حماس والجهاد؛ لأن تؤدي مهمة واحدة، وهي أن يقول الحاضرون للداعي كفى تفرداً منك، وكفى قعوداً لمؤسسات منظمة التحرير بسببك، وسلامٌ من الله على المهتدين، ثم يغادروا!

فليست دعوة حماس والجهاد، برهاناً على أن الرجل يشاور أو يكترث للمؤسسات، أو على أن الأمور بدأت تستقيم حتى في اللجنة التنفيذية، الأضعف تمثيلاً في تاريخ منظمة التحرير لأطياف الشعب الفلسطيني، ولقواه الاجتماعية والسياسية!

مكان انعقاد الجلسة، وطريقة الدعوة اليها بلسان رئيس السلطة الذي هو محض مكلف برئاسة اللجنة التنفيذية؛ تدل على غياب الجدية، حتى وإن تواضع رئيس اللجنة التنفيذية وأمر رئاسة المجلس الوطني بالدعوة الى الانعقاد. ففي أنظمة الدول وأعرفها، ليس رئيس السلطة التنفيذية، هو الذي يقرر انعقاد البرلمان، وإنما هو الذي يُدعى اليه لكي يَمْثُل أمامه ويُسأل، وتكون الجلسة جزءاً من دورة انعقاد، وليس جلسة يتيمة تُعطى للآخرين، مثلما يُعطى الفتات للفقراء. أما مكان الانعقاد، فلا يكون معرضاً للحصار، ولا يتحكم العدو في طرق الوصول الى القاعة، سواء عند الجسور أو المعابر أو على الطُرقات. فلا اجتماع في الدنيا، ذا طابع برلماني، يقال عند أخذ النِصاب، إن فلاناً ممنوع أمنياً!

 الشعب الفلسطيني في الخارج، أكثر منه في الضفة وغزة، وإطار منظمة التحرير هو للداخل والخارج، بينما التطورات الراهنة، تستوجب دورة كاملة للمجلس الوطني بتمامه وكماله، وليس للمجلس الوسيط. وبمقدور رئاسة المجلس الوطني، أن تعوض الأعضاء الذين توفاهم الله، أو أقعدتهم الأمراض، بأعضاء جدد، من حركتي حماس والجهاد، طالما أن العضويات كانت ولا زالت تعتمد مبدأ التخصيص الذي يعادل التعيين، ولا انتخابات للتفويض!

الدورة المرتجاه، خارج الأراضي المحتلة، ليس فيها مطاعن الجلسة الممنوحة لأعضاء "المركزي" في رام الله. فالأولى يحضرها الأمناء العامون للفصائل والأعضاء المتقدمون من المكاتب السياسية، ولن يكون الحال كما في جلسة رام الله، حين تحضر حركتا الجهاد وحماس مُمَثَلَتين في الأعضاء الذين تصادف وجودهم طلقاء في الضفة، وقد أعيتهم السجون، وباتوا يحاذرون ما استطاعوا، في تصريحاتهم،  وليسوا في معظمهم أعضاء في دائرة اتخاذ القرار.

لم تعد مجدية، عبارة ذر الرماد في العيون، كلما اضطر عباس الى النطق الصارخ أو الى التفضل على الشريحة السياسية، بدعوتها الى أي انعقاد. فقد امتلأت العيون بالرماد، وانكشفت الحقائق، وبات قومنا يتحدثون عن وجوب العمل على استجماع الذات الفلسطينية، بالتمكين للشعب، بعد فترة انتقالية يجري التوافق مع بدئها، على معالجة كساح المؤسسات، وعلى تجديد مؤقت لأطرها، لكي تؤدي دورها بنزاهة وكفاءة خلال المرحلة الانتقالية. فالركام عالٍ ويتعالى أكثر فأكثر، كلما ظل عباس يقرر. إن لم يقل الحاضرون في جلسة عباس اليتيمة ذلك، فلا خير يُرجى منهم، وأغلب الظن أنهم لن يقولوا!

في سنن الحياة وشرائع الكيانات، لا ينجُو مستبد ولا يفلح، ويستحيل أن يستمر هو ونهجه. فالشعوب تكظم غيظها، لكنها في لحظة تاريخية تنقلب مجتمعة، على الضالين والخانعين، وعندئذٍ ينقلب السحر على السحرة!

إن الجلسة التي دعا إليها عباس، أو أجاز انعقادها، ستكون عابرة إن لم تكن كاريكاتورية، في حال انحصر موضوعها في تدبير صيغة من كلام، تلائم الهبّة الشعبية الفلسطينية. وإن اجتهد الحاضرون وتجرأوا، وذهبوا بعد الانعقاد الى خطوط التماس، أو حتى دفعوا بأبنائهم اليها، لمشاركة الشعب غضبه وهَبَتَه، يمكن أن يستشهد منهم من يستشهد، وأن يُعتقل من يُعتقل، تاركاً وراءه بقايا بُنية سياسية عاجزة ومترهلة، وغير ضامنة لاستمرار الزخم الجماهيري ساعة واحدة.

كان ابننا الشهيد محمد أمين عقل، بعد أن تلقى رصاصات الإعدام من بندقية ثقيلة، يتلوى عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة، لكي يلفظ أنفاسه الأخيرة، في ظلال نُصب تذكاري فلسطيني يُحاكي الميادين المزدانة  بنُصُبِ التذكير بعنفوان أمَمها، بينما لا يقترب من المكان ولا يتدخل، منسّقون أمنيون أو مقاولو تنسيقات إجرائية، لكي يطلبوا وقف الرصاص عن محمد عقل الذي لا يحمل سلاحاً، أو استمراراً لأنفاسه الزكية، أو نقلاً الى المشفى. كان ذلك على بعد نحو مائتي متر هوائي من منزل عباس!

من قلب الحقيقة التي يمثلها  هذا المشهد، يمكن أن يبدأ حاضرو جلسة عباس، لكي يقولوا: ليس هكذا تُرسم السياسات، وليس هنا، وليس بنا وحدنا!