4 شهداء بنيران جيش الاحتلال في مدينتي غزة وخان يونس منذ صباح اليوم
24 نوفمبر 2025 11:46 ص
نشرت في 09 ديسمبر 2017 10:01 ص
قرار الكونغرس الأميركي حول القدس ونقل السفارة إليها اتخذ في 1995.
الرؤساء الأميركيون السابقون قاموا بتأجيل تنفيذ القرار بشكل روتيني دون أي ضجيج. لم تكن علاقاتهم مع دولة الاحتلال أقل متانة، ولا كانوا أقل حرصاً على وجودها وأمنها وتفوقها من الرئيس الحالي. لكنهم كانوا يقرؤون الحقائق السياسية ودلالاتها وتوابع تنفيذهم القرار المذكور بشكل عقلاني وواقعي.
يقرؤونها في تبعات خروجهم على الشرعية الدولية في واحد من أهم قراراتها المتعلق بالقدس، وفي خروجهم على القانون الدولي وانتهاك الاتفاقات الدولية وتدمير الأساس الذي تقوم عليه مفاوضات السلام التي يرعونها. ويقرؤونها في إضعاف، وربما إلغاء، أدوارهم السياسية بالمنطقة، وتأثيرها على علاقاتهم مع دول الإقليم ومصالحهم فيها، وفي معاداة أغلبية مسلمي العالم لهم.
الرئيس الحالي ترامب تعامل منذ وصوله للرئاسة مع قرار الكونغرس المذكور كسيف يسلطه فوق رؤوس الفلسطينيين، لابتزاز تنازلات مجانية تمهد الطريق لصياغة «صفقة القرن» التي وعد بها لتأتي على مقاس مطالب وطموحات وعنصرية دولة الاحتلال واستمرار احتلالها وتوسع استيطانها.
هناك شك في أن يكون وراء قرار الرئيس ترامب حصوله على تنازلات مهمة، وشك أقوى في أن يكون حصل على ما يكفي من التنازلات ليتخذ قراره. الشك يذهب إلى تجاوبه مع إلحاح دولة الاحتلال وضغوط أنصارها المعششين في دوائر ومكاتب البيت الأبيض وكافة الوزارات والأجهزة. ويذهب أيضاً إلى استعداد الرئيس الشخصي تنفيذاً لوعده الانتخابي وانسجاماً مع طبائعه الشخصية البعيدة عن الرزانة واتساع الأفق وبعد النظر.
اتخاذ القرار لم يكن أمراً شاذاً أو خارج السياق، ولم يكن مفاجئاً أيضاً، لمن كان يرى ببصره وبصيرته مسار الرئيس ترامب في علاقته مع دولة الاحتلال. فمنذ اليوم الأول لها في البيت الأبيض، أكّدت الإدارة الجديدة بكل الوسائل انحيازها لدولة الاحتلال ومساندتها المتميزة عما سبقها ودعمها في كل المجالات وبالذات في الهيئات والمؤسسات الدولية. كاتس الوزير في دولة الاحتلال عبّر عن ذلك بقوله: «إسرائيل كانت يتيمة قبل تغيير السلطة في أميركا، وكانت تقف لوحدها في مواجهة محور الشر».
قوبل قرار الرئيس ترامب بحالة عامة وواسعة من عدم القبول من معظم دول وشعوب العالم تراوحت بين التساؤل إلى عدم المناسبة إلى المعارضة، وصولاً إلى الرفض والإدانة والاستنكار وتبيان المخاطر والتبعات والتهديد بإجراءات.
هذا شيء جيد ولكنه لا يكفي لمواجهة القرار وترجماته وتبعاته.
بالنسبة للفلسطينيين والشعوب العربية، فقد أعاد هذا القرار الولايات المتحدة إلى الوضع الذي كانت عليه في الخمسينيات والستينيات بوصفها العدو الأول لشعوب المنطقة.
وبالنسبة للفلسطينيين وبعض الدول العربية، فقد أنهى القرار مسار المفاوضات السياسية كما ظلت تجري في السنوات الماضية، وأنهى الرعاية الأميركية لها، وأنهى معها أي دور للإدارة الأميركية الحالية في أي عملية سياسية تفاوضية محتملة، بعد أن تموضعت في موقع المنحاز لدولة الاحتلال بشكل نهائي. والقرار وضع الإدارة الأميركية في مواجهة المجتمع الدولي بهيئاته الأساسية: الأمم المتحدة (مجلس الأمن بالذات)، وغالبية دولها الأعضاء، والاتحاد الأوروبي و... وذلك بخروجه عن قراراتها الشرعية وعن إجماع دول العالم المقرة والمتفقة على أن الوضع القانوني الدولي للقدس بأنها جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، ويجب التعامل معها على هذا الأساس، ولم يحصل بنتيجة ذلك، أن أقامت أي دولة في العالم مقر بعثتها الدبلوماسية فيها.
على الفلسطينيين عموماً تقع مسؤولية المبادرة للتعامل بمسؤولية عالية وجدية مع هذه المستجدات، ولنقل الرفض الواسع لقرار الرئيس ترامب من ردة فعل عاطفية وربما مؤقتة، إلى فعل منظم متواصل ومؤثر. البداية لذلك هي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني - بيت منظمة التحرير الفلسطينية بكل هيئاته وتعبيراته - على قواعد وحدة الهدف ووحدة البرنامج ووحدة القيادة بكل مؤسساتها ووحدة النضال بكل أشكاله.
وقد تكون البداية في الخطوات الثلاث المترافقة:
- اجتماعات تشمل الكل الوطني بجميع تكويناته ومسمياته التنظيمية والمجتمعية والأكاديمية والشعبية و...... لإقرار رؤية موحدة لطريق التصدي للقرار المشؤوم وأشكالها وتعبيراتها وأدواتها وساحاتها.
- إعلان صريح وقاطع بإنهاء كل علاقة مع مسار الحل السياسي التفاوضي بالرعاية الأميركية، والتوجه نحو الشرعية الدولية بإجماعها وقراراتها.
- قيادة حركة شعبية واسعة ومتواصلة تعم كل أرض الوطن تعلن رفض القرار وإدانته ومعاداة أصحابه، وتؤكد التمسك بكل الثوابت الوطنية وفي المركز منها مدينة القدس، قدس الأقداس الدينية والوطنية وعاصمة دولتنا المستقلة.
وعلى أساس ذلك، المبادرة إلى استنهاض الموقف الرسمي العربي لاتخاذ مواقف من الإدارة الأميركية تتجاوز استنكار القرار ورفضه وإدانته إلى مواقف وإجراءات أكثر قوة وتأثيراً.
والمبادرة إلى استعادة الزخم الشعبي وفعله وتأثيره، خصوصاً وقد أكدت ردات الفعل الشعبية السريعة ضد القرار أن القضية الفلسطينية وحقوق أهلها وصمودهم ونضالاتهم لا تزال تسكن الضمير القومي للشعوب العربية وتحتل مكانتها الراسخة في وعيهم السياسي وإرادتهم النضالية. وبالتوازي، التوجه إلى شعوب الدول الصديقة، والإسلامية منها بالذات.
ثم إن من حقنا وواجبنا، المبادرة إلى دق كل أبواب العالم، بدءاً بمجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة الأخرى؛ لمقاضاة الولايات المتحدة على خروجها عن الشرعية الدولية، خصوصاً أن هناك تقبلاً مبدئياً عبّرت عنه مبادرات ومواقف عديدة. ويا حبذا لو تم ذلك، بجهد عربي مشترك، وباسم المجموعة العربية في الأمم المتحدة.
قرار الرئيس ترامب بكل ما يمثله من عدوانية وشذوذ يوفر دافعاً إضافياً قوياً للتحدي واستنهاض الهمم والخروج من مسار قام على مراهنات ثبت فشلها، نحو فعل نضالي أكثر تجذراً وواقعية سياسية، واحتماء بمقاومة شعبية شاملة ومتواصلة، وبدعم عربي فاعل.