عباس في هذا الخضم

حجم الخط

وكالة خبر

 

 

اشتملت ردة الفعل الخطابية لرئيس السلطة الفلسطينية، المتعلقة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القدس،  على التعبير عن الرغبة مُجدداً في تحقيق المصالحة، بمعنى أن الحدث الخطير هو الذي استحث تأكيداً أو إعراباً عن عزمٍ غير مسبوق، يسترضي الغاضبين الفلسطينيين من الإعلان الأمريكي ومن الانقسام.

هذا المنطق، هو المعادل الموضوعي للقول لم يكن هناك ما يستحق أن تحقق المصالحة من أجله. وربما يعود الرئيس الفلسطيني الى حال اللا عزم، بعد أن تهدأ ردود الأفعال، وتتراجع التصريحات كلها، وتصبح مجرد ذرٍ للرماد في العيون، ومن بينها التصريحات التي تؤكد بلسان ناطقين آخرين، من داخل الأجواء ذاتها، على أن نائب الرئيس الأمريكي المتطرف صهيونياً، لن يُستقبل في الأراضي الفلسطينية!

نميل الى القناعة، بأن كل مبعوث أمريكي سوف يُستقبل في "المقاطعة" وسيكون للتراجع مبرراته، أما المصالحة، فإنها سوف تتعثر حتى بعد أن أُعطيت الحكومة حق الجباية التي كان احتباسها عنها، من أسباب إيقاع الأذى فيمن تُجبى منهم الأموال، وهم الناس المعوزون.

لقد أضيف في خطاب عباس عنصر المصالحة، لأن هذا العنصر هو المتاح فيه الكلام بحرية لا سيما عندما يكون فضفاضاً, أما الكلام الذي يضع النقاط على الحروف، لتحديد المطالب أو التمنيات التي يرجوها الرأي العام الفلسطيني؛ فقد غاب تماماً، والأهم فيه هو تحديد قطعي لعدم التعاطي مع إدارة دونالد ترامب، بسبب أنها منحازة مسبقاً لإسرائيل، مع دعوة العرب والمسلمين الى مقاطعة هذه الإدارة على الأقل في هذا الشأن الفلسطيني، لكي يضيق هامش الحركة الأمريكية وألاعيبها في الإقليم. فلا معنى لعبارات التأسي والعتاب، لأن كل شيىء كان متوقعاً، بل كان معلوماً أن إدارة ترامب لن تتورع عن المزاودة على إسرائيل نفسها، في تشددها العنصري وفي عدائها للفلسطينيين والعرب!

 لقد كان الفلسطينيون والعرب والأشقاء والأصدقاء، ينتظرون سماع هذا المنطق من رجل استحوذ على رئاسة السلطة والمنظمة وحركة فتح. لكنه، وهو الذي أضعف الموقف الفلسطيني، وأوصل الكيان السياسي الفلسطيني الى وضعية البؤس والعفن، لم ولن يكون على قناعة باتخاذ موقف جذري. كان بمقدوره أن يعلن عن مهلة زمنية لحل السلطة ما لم تتراجع واشنطن عن إعلانها الذي يتجاوز القانون الدولي والأمم المتحدة، والإجماع العالمي والحقائق على الأرض. عندئذٍ سيهرع الوسطاء من كل جهة لمنع الإعلان عن الموت البات لأكذوبة التسوية الميتة سريرياً في واقعها!

عباس نفسه يصف الانسداد ويقول أن إعلان ترامب يدمر العملية السلمية. بالتالي يصح التساؤل: ماذا ينتظر الرجل من الأمريكيين والإسرائيليين، غير المزيد من الإهانات، بعد تدمير العملية السلمية؟ ولماذا يصبح بقاء السلطة سبباً للخنوع، وفي الوقت نفسه سبباً للاتهام الإسرائيلي بأنها تتخاذل في كبح جماح المقاومين؟ أم إن مباهج السلطة، ووضعية التفرد بالقرارات المالية تدفع عباس للاستمرار في الالتصاق بالمقاطعة؟!

المحتلون أنفسهم يرون في حل السلطة مشكلة لهم وتحميلاً لهم لأعباء الاحتلال العسكري الكامل على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة. والأوروبيون يرون وجود السلطة، أمراً يحافظ على إسهاماتهم في بنائها خلال ربع القرن، فلماذا لا يقال لهؤلاء جميعاً، إن الحاكمين في إسرائيل، لم يتركوا لنا سبباً للبقاء، وهم الذين يتحملون مسؤولية الفراغ وتبعاته؟ أليس كبير المفاوضين د. صائب عريقات، نفسه، هو القائل في ظروف لم تكن وصلت الى هذا التردي، أن بقاء السلطة، معناه استمرار الاحتلال بدون كُلفة على المحتلين؟ فماذا الذي ينتظره عباس، فيما هو يظن، أن مواء القطط يستطيع إخراس الوحوش وردعها.

في هذا الإطار يصعب الحديث عن بدائل، كأن يلوّح عباس للمعنيين ببقاء السلطة، أنه بصدد حلها ومغادرة الضفة والانتقال الى غزة لإتاحة المجال لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والتمكين للإرادة الشعبية، ومن ثم على كل الأطراف أن تتحمل تبعات المواجهة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال. إنه لا يمتلك مثل هذه الشجاعة، فضلاً عن كونه لا يطيق غزة التي لن يتاح له فيها التفرد وإدارة الظهر للإرادة الشعبية. فلو كان يطيقها لما تجرأ على الإعلان بكل الزهو، أنه يعاقبها بالجملة!