القدس الغربية و القدس الشرقية

حجم الخط

وكالة خبر

 

 

لن يجدي مع الاحتلال العنصري الظلامي، ومسانديه الأمريكيين من شاكلة ترامب وسواه؛ إلا إعلاء الصوت في مقارباتنا النظرية، لا في مقاربات الواقعية السياسية المُهانة،   بأن القدس بشرقيّها وغربيها، هي أراضٍ محتلة سنظل نطالب بالجلاء عنها، ونؤكد على أن الأجيال، ستظل تناضل لاسترادها، طال الزمن أم قَصُر!

ظللنا نشدد على المطالبة بالقدس الشرقية، وبعضنا يتجاوز التعيين المكاني عند وصفها، فيزيد قائلاً إنها الشرقية العربية، وكأن الغربية كانت عبرية قبل استلاب فلسطين، وكأننا لم نكن نستقبل على محطة سكة الحديد في الغربية، زوار فلسطين، فيهُب الفلسطينون بخيولهم وجِمالهم وحميرهم ومشياً على الأقدام، لكي يستقبلوا الضيف عندما يكون وازناً كالقيصر الألماني فيلهلم الثاني مع زوجته أوغوستا فيكتوريا وسائر أسرته في العام 1898. في ذلك الحدث، كان شعبنا معنياً بتحية القيصر الزائر لأن خبراً وصل اليه،  يؤكد على أن فيلهلم سيحل في بلادنا ومعه إكليل ورد، مصنوع من البرونز، لكي يضعه على قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجدار الأيسر من المسجد الأُموي في دمشق!

عندما حلّ القيصر في القدس، قادماً اليها، في عربة السكة الحديد من حيفا التي وصلها بالسفينة؛ استقبله الفلسطينيون بحفاوة زادت عليها دمشق بمليون مصباح وخمسين ألف شمعة، فجعلت القيصر يقول في صيغة الاستفهام التقريري: لماذا لا يأخذ العالم عن القدس ودمشق، طريقة استقبال الملوك؟!

كان أولئك الطارئين الصهاينة، شُذاذ الآفاق، غير ذي حضور وغير ذي صفة، ولم تكن لهم أية بقعة عبرية، قبل أن تصنع لهم بريطانيا الاستعمارية أرجلاً وكياناً، وبعد أن سرق لورانس، الجاسوس البريطاني الشاذ جنسياً، إكليل البرونز الألماني، الذي على قبر صلاح الدين، ثم يُهدي أحد العرب مذكراته، ويكتب اسمه بالحرفين س. أ في الصفحة الأولى، ويعني به قصاص الأثر المتخلف سالم أحمد الذي أشبع غريزته!

إن كانت الأمة قد نامت، فإنها لم تمُت، وستكون لها يقظة أخرى، لا تكتفي باستعادة محطة سكة حديد غربيْ القدس، وإنما باستعادة إكليل البرونز الألماني من الإنجليز. فقد مات سالم ولورانس وأسيادهما عرباً وبريطانيين، وسيندثر كل سالم رديء، ويتواصل كل سالم حميد!

لن يأخذنا التأويل الى الجزم بأن لغتنا السياسية البائسة، في مطالبتها بالقدس الشرقية، وفي هوانها عند القول إنها وحدها القدس العربية؛ قد شجع الصهاينة وعلى جعل زمن المباراة كله، أمام مرمانا في القدس الشرقية. فلو كنا نطالب بكل القدس، منذ أن استثنتها الأمم المتحدة  في قرار التقسيم، هي وبيت لحم والأراضي المحيطة بهما، من التبعية للاحتلال، وحددت صفتها بكونها مناطق ذات ولاية دولية، لربما كان الحديث طبيعياً، كحل وسط في المقاربات السياسية، عن عودة الولاية العربية الفلسطينية على القدس الشرقية. ولهذا السبب، كان الرؤساء الأمريكيون المتتابعون، يتجنبون الخوض في موضوع القدس، ويكتفون بسيطرة الصهيونية بقوة السلاح في العام 1948 على جزئها الغربي، لأنه في في الأصل انتهاكاً لما توافقت عليه الأمم بالنسبة لمدينة السماء، زهراء المدائن!

الأمريكيون ظلوا لعقود، يدركون أن تشجيع المتطرفين الصهاينة على إدامة احتلالهم للقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والأضرحة الإسلامية والمسيحية والمساجد والشواهد والأسبلة، من شأنه إشعال المنطقة، وجعل الولايات المتحدة دولة منبوذة، بل جعل العلاقة معها سُبّة على جباه من يستمرون في علاقات مع طرف يعاديهم ويحتقرهم!

فلسطينياً، لو أقدمت إدارة ترامب، على الخطوة المجنونة، ستقذف بالقيادة الفلسطينية الراهنة الى منطقة انعدام الحد الأدنى من الوزن السياسي. فلا هذه الأخيرة، ستجد طريقاً أو لغة للتعاطي مع الأمريكيين، إن أرادت البقاء مع عدم التمكين للشعب، ولا إدارة ترامب ستربح إن وضعت نفسها في معزل عن المنظومة الدولية، بمخالفتها الصارخة للقانون الدولي، وستفقد ما هو مزعوم، من أهليتها لأن تكون عنواناً للوساطة بين طرفي النزاع!

المحتلون يطمحون الى استمرار احتلال القدس الشرقية، وينبغي أن نطمح نحن الى القدس الغربية بالإضافة الى الشرقية. كان هذا هو المنطق الذي ينبغي أن يتبناه السياسي، حتى وهو يكابد عُثار التسوية. وحَسب الدول العربية والإسلامية، أن تهب مجتمعة، بأصوات صارخة لا بأصوات خافتة، لتحذير ترامب، وهو مَن هو في طبائعه وجذوره وجهالته، من مغبة التجرؤ على الأمتين مسلمي أمتنا ومسيحييها في زهرة المدائن!