4 شهداء بنيران جيش الاحتلال في مدينتي غزة وخان يونس منذ صباح اليوم
24 نوفمبر 2025 11:46 ص
نشرت في 05 ديسمبر 2017 10:29 ص
غيب الموت أبو هاني، عبد المحسن القطان، واختتم الرجل الكبير، أحد قامات فلسطين، سيرة زاخرة بالمآثر والمشاوير، بل بالرموز التي بتنا أحوج ما نكون اليها في هذه الزمن الرديىء. فأبو هاني أصلاً، من عائلة جذرها القريب، من قلب المجتمع المصري. وهو، في رمزية ثانية، من رفاق الراحل النبيل مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية الأستاذ أحمد الشقيري. وفي ثالثة هو أحد أهم رموز مكابدة الصحراء وبدايات النهوض الحضري في الكويت، وكان رجل الإدارة الأول لتأمين الخدمات لشعبها، عندما شغل منصب المدير العام لوزارة المياه والكهرباء. وفي رمزية رابعة، هو من رفاق وأصدقاء الحكيم جورج حبش في رحلة طلب العلم لدى الجامعة الأمريكية في بيروت وفي مرحلة انتعاش الأمنيات الوطنية. وفي رمزية خامسة، هو رفيق وصديق الشُبان العرب الحالمين، الذين نهضوا بحزب البعث قبل أن يستولي عليه العسكر ويأخذونه الى سياقات استبدادية. وفي أم الرمزيات، هو مثال الفتى الفلسطيني الذي كان ينتمي لأسرة ميسورة من يافا، فوجد نفسه وأسرته، فجأة، وبعد موت أبيه في يافا المستلبة، لاجئاً في الأردن، يتحمل مسؤولية الأسرة وتحديات الحياة!
مثلما لكل حياة نهاية، اختتم أبو هاني رحلته بالأجل المحتوم، الذي يفتح آفاق التأمل وأخذ العبر، لا يما عندما تنعقد المقارنات بين حصاد العمر الوفير وسنابل القمح الثقيلة من جهة، وحصاد العمر الخامل والضحل أو المتواضع، ناهيك عن حصاد الأعمار الطفيلية التي تربحت بالسُحت المسموم. ففقيد اليوم، من شأنه تعيين الفارق بين بعض من يُسمون اليوم رجال أعمال بينما هم فاسدون ومستغلو نفوذ وأغبياء أصلاً وشرِهون وبلا أخلاق؛ وآخرين عصاميين مثابرين اذكياء، استحقوا احترام كل محيط أعمال أو مجتمع حلّوا فيه، وهذا ما ينبغي أن يتذكره بعض الذين تنطحوا لمهمة نعيّه وكأنه رفيقهم أو حبيبهم أو مثالهم المُحتذى. فأبو هاني، عندما كان في أوج نجاحه الاقتصادي، لم يتجه الى مسارح اللهو، لكي يتبدى فيها نجماً، وإنما اجتذبته رحلات أحمد الشقيري الى الصين، لكي يتتبع محاولات إنعاش الحُلم بالعودة واسترداد الحقوق. وعندما افتُتن بعمله في الكويت، لم يكن مُفتتناً بالمغنية الكويتية عايشة المرطة، مثلما افتُتن سواه بالمغنية أحلام. ولا نرغب أن تتداعى لقطات المقارنة فتبتعد عن رثاء رجل كعبد المحسن قطان!
رجل الأعمال الذي كانه أبو هاني، ذكي ولبيب ومتبحر في علم الإدارة، وكان قد انتُخب رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني، في دورة العام 1969 التي افتتحها جمال عبد الناصر في القاهرة. لم يشأ أن يكون رئيساً بروتوكولياً للبرلمان الفلسطيني في المنفى. طرح مبادرة سديدة، وهي أن يُصار الى توحيد المؤسستين المالية والعسكرية للثورة الفلسطينية بجميع فصائلها. وبسبب امتدادات الأنظمة العربية في المشهد الفلسطيني، لم ينجح مسعاه، وسرعان ما قدم استقالته. فقد أراد تعزيز عنصر القوة ووحدة السلاح، وإنصاف كل المناضلين الذين يخوضون كفاحاً واحداً ضد عدو واحد. وهنا أيضاً يكمن الدافع الى مقارنة أخرى بين الأمس واليوم، أو بين الرجل وسواه، وبين عُثار الأمس، ومصائب اليوم التي يجري فيها تجويع المناضلين وأسرهم وأسر الشهداء، وتُسمع فيها الأقوال الوقحة عن عقاب غزة الباسلة بالجملة!
في مراحل ابتعاد عبد المحسن القطان، عن أية مسؤوليات سياسية؛ إتجه الرجل الى الأعمال الخيرية، فأسس صندوق التعاون، وركز على التعليم والإصلاح التربوي، وحلَّ ممثلاً لفلسطين لدى الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ليكون حاضراً في سياقات المشروعات وبرامج المساعدات، وأنشأ مركزاً للأبحاث والتطوير التربوي، وفعل ما يستطيع لكي يؤدي واجباً في خدمة شعبه، رغم انسداد أفق النظام السياسي الفلسطيني، أمام الكادرات الموهوبة والقامات العالية والرجال النبلاء. كان أبو هاني يتمنى أن يُدفن في يافا، لكن النظام السياسي الذي بتنا نكابده، لم يتأهل لمجرد تأمين دفن رجل اقتصاد فلسطيني في يافا، على الرغم من قداسة التنسيق الأمني التي يزعمها. رحم الله عبد المحسن القطان وأثابه وغفر له وأحسن مثواه!