سياحة قصيرة في سَديم الصفقة

حجم الخط

وكالة خبر

 

 

في فيلم أمريكي كوميدي شهير، ظهر في العام 1983 جرت الحوادث سِراً، وكان بطلها الأول سمسار سلاح، يعمل كما السماسرة الذين يبيعون السلاح للضدين: الديكتاتور ومن يناضلون لإسقاطه. وفي السيناريو، تقوم المقارنة بين الطائرة الحربية التي يقودها طيار، وتلك المُسيّرة بلا طيار، وبين السلاح الفردي الخفيف والمدفعية الثقيلة، والأهم من ذلك كله، أن السوق الملائمة التي يتقصدها التسويق، كانت أمريكا اللاتينية وشعوبها المغلوبة على أمرها آنذاك، ولوحظ التزاحم بين السمسار الأول، وطامحين كُثر الى السمسرة والتربح!

استمتع الأمريكون بالحكاية، وعنوانها "ديل أُف ذا سينتشري" أي (صفقة القرن) وقد أعيد تقديمها على المسرح، توخياً للاستثمار في موضوعها، وطُبعت  من الفيلم ومن العرض المسرحي، ملايين الأقرصة المدمجة!

في مقدورنا الافتراض، أن ثقافة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الشغوفة بالمرح والإثارة والأعمال السينمائية؛ هي التي أهدته الى التسمية الجديدة لمقاربات التسوية مع إسرائيل ولصالحها. وهي في المحصلة صفقة من كلام يباع في سوق شعوبنا المغلوبة على أمرها، والتي لا تملك أن تُقرر مصائرها. وكما في تكتيكات السماسرة، عندما يبيعون بضاعتهم للضدين من وراء ظهر واحدهما الآخر، أي لديكتاتور الاحتلال العنصري، وللطرف الفاقد للعدالة؛ تجعلنا التسمية بحد ذاتها على يقين؛ أن الكلام الذي يُباع لنتنياهو، هو غير الكلام الذي يسمعه الطرف العربي، هذا إن كان الطرف الأخير، استحق في حسابات البائع، صيغة واضحة ومتماسكة، يُبنى عليها شيء مسخ!

أية صفقة هذه، التي لن يفلح سوى دونالد ترامب في تسويقها، بمواهبه العجيبة ولغته الجسمانية، وببراعته في جرّ الأموال؟ وهل يصلح طرفٌ ينحاز الى الديكتاتور، لإبرام صفقة يرضاها ضحاياه؟ أم إننا أصبحنا مادة للكوميديا، ولمفارقات اللعب على الضدين؟!

يُفترض أن نكون على دراية بأفعال السمسار. ففي أوائل الستينيات، أيام الزعيم جمال عبد الناصر، أنتجت السينما المصرية، بالتعاون مع الطليان، فيلماً تاريخياً بعنوان "واإسلاماه" سرعان ما ظهرت منه طبعة عالمية، لعب أدوارها ممثلون وممثلات عالميون. كان "بلطاي" الذي أدى دَوْرَه الراحل فريد شوقي، يقبض من الضدين في كل نزاع. وفي معركة "عين جالوت" تعاقد مع طرفي المعركة على أن يقاتل معهما ضد كليهما. وفي ذروة النزال، ربط حجراً ثقيلاً بحبل في يده، وغدا يضرب بحركة دائرية كل من حوله. وليت ترامب يتحرى الجزء الحميد من فعل بلطاي في قصة الكاتب اليمني الحضرمي أحمد علي باكَثير، فلا يضرب الطرف المُعتَدى عليه وعلى بلاده، ويختص بالحجر الثقيل الطرف الباغي، أو على الأقل، أن يضرب الطرفين معاً!

تتكاثف غيوم الصفقة كما السديم. أوهام نجوم تتجمع بعيداً فتظهر كأنها سحابة خفيفة، أو بقع ضوء خافت. وفي هذا الخضم، قيل إن السعودية طرفاً أصيلاً، بينما السيدة منال رضون، منسقة بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة، شرحت أمس موقف بلادها، في احتفالية إحياء يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني،   مثلما يشرحه الفلسطينيون، على النحو الذي يبدد غيوم الصفقة، ما يجعلنا نتساءل أية صفقة هذه، وفي أي قرن، ومن هم أطرافها؟! لعلها طائرة مُسيّرة، ستأخذها التطورات الى فقدان الاتصال بمركز تسييرها!