الاستقلال والاستيطان والاستخفاف والشعب

حجم الخط

وكالة خبر

رافقت عطلة ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال الفلسطيني أحاديث وأحاديث، بعضها نابع من صدق نوايا وبعضها أطلق العنان لتشاؤمه سعياً لفرضه على المجموع، والأمر المحزن أن المتشائم يلقى رواجاً كبيراً وتعقيباً وتعليقاً، تفاوت الحديث بين التركيز على العطلة وكأنها ميزة غير مستحقة لأناس لا يستحقون، ومرة ماذا فعلنا في العطلة للاستقلال، والبعض يطرح تساؤلا قد يبدو بريئا ولكنه ليس كذلك: ماذا نفعل بالاستقلال؟.
الأكثر إيلاماً وحزناً بالنسبة لشخص مثلي "بتواضع" عاش لحظات إعلان وثيقة الاستقلال عام 1988 في اوج الانتفاضة والتي تعني الإصرار الشعبي الواضح على الاستقلال ودحر الاحتلال وكيف بات الشعب سيد نفسه، له توقيته الخاص به ويقرر متى يفتح متاجره ومتى يغلقها، ويقرر متى يقتحم منع التجول وكيف يُخرج شهداءه من المشافي لتكريمهم وتشييعهم ولفهم بعلم الوطن، وكيف يحمي الجرحى وكيف يكرم الاسرى، كان فيه الفلسطيني لا يسأل عن نفسه وعن اسرته بل عن جاره وحيه ومدينته والقرى المجاورة، كانت كل الضفة تتألم لنابلس وتنتصر لها لتكرار منع التجول عليها، كانت القيادة الوطنية الموحدة تعلن "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" وترسخ في القاموس اسم الانتفاضة، وأصر الشعب انه جزء من منظمة التحرير الفلسطينية.
في خضم هذا الزخم جاء إعلان وثيقة الاستقلال الفلسطينية في 15/11/1988 ليس كترف فكري بل كاستحقاق نضالي موحد وضع كل قضايا الشعب فيها، وأسس لمرحلة قيام دولة فلسطين ببعد عصري حضاري راعى كل المعايير، وبقيت مؤسسات الوطن لسنوات تدرس كل محتوى على حدة وتقرنه بمجالها سواء التربية والتعليم او المرأة والطفل والاعلام وحقوق المواطن، بالتالي كان صوت الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل مسموعاً واكثر وضوحاً.
ترى بمثل هذه المعاني الزخمة والمفصل التاريخي وصوت وارادة شعب هل يحق لأي كان ان يسخر بمثل هذه الأبعاد ولو من باب حصرها بالعطلة، او حصرها بتوسع الاستيطان، فأروني الاستقلال، ومن هو الذي سيريك الاستقلال؟ الم تكن تلك الحشود التي تخرج بالآلاف لتتظاهر على قلب رجل واحد لتحقق الاستقلال، وكُسرت الايادي وهُدمت البيوت واقتُحمت المساجد وحوصرت الكنائس وظل الاصرار إلى ان أُعلنت وثيقة الاستقلال تتويجاً لهذا الإصرار.
دعونا نصنع مقاربة اليوم ونسأل من استخف بالمناسبة وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي والزيارات الاجتماعية وجلسات المقاهي الشعبية والخمس نجوم، ترى ماذا صنعنا فرقا اليوم على صعيد الوحدة الوطنية ومواجهة الاستيطان وجدار الفصل باستثناء بعض الحالات التي سجلت بسجل الفخر، على صعيد الانتصار للحركة الأسيرة، وعلى صعيد التكافل والتضامن الاجتماعي، والعمل التطوعي، لقد هربنا جميعا وألقينا المهمة على كاهل العمل الحكومي وأشعلنا مواقع التواصل الاجتماعي مرة أُخرى، وقلنا: إحنا مالنا، هذا شأنهم!!!!! وكأن العمل الحكومي يمتلك مقومات مقاومة الاستيطان والجدار والأسرى ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية وغيره، وهذا لا يعفيهم بالمطلق من المسؤولية الا ان الفرق بين أجواء إعلان وثيقة الاستقلال واليوم انه في عام 1988 لم يتخل الشعب وفصائله ومؤسسات المجتمع المدني والحركة الطلابية والعمالية والنسوية عن ادوارهم التي تنازلوا عنها طوعا بشكل نسبي وليس مطلقا،  او تنازلوا عنها تحت ضغط غير مبرر، وكأن الشفافية والنزاهة والشرف هبطت حديثا على الأرض وباتت مستخدمة على حين غفلة، وعندما كنا نتساءل عن ذات المعايير في بداية السلطة الوطنية الفلسطينية في إطار الاتحادات الشعبية كان الجواب جاهزاً: هيمنوا عليكم بالعولمة وقضايا الـ "ان جي اوز" فأخذتم تطرحون قضايا غريبة.
حتى أكون منصفا فإنني لا اقلل من أهمية آراء الناس الصادقين وحجم التحديات والأعباء ومهام المرحلة الثقيلة، إلا أنني احذر من الاستخفاف والافراط به والذهاب الى مربعات غير محمودة، تماماً كما حدث عندما تفاءلنا للمصالحة وانجازها والخطاب الجديد الذي رافقها هبط سقفنا، خطيب المسجد عندما لم يتطرق لها من باب عنوان الخطبة (التفاؤل) وعندما ناقشته قال لي: وبماذا تتفاءل، استخفافاً، وبقيت مصراً لأنني افتح حرباً على الاستخفاف، وهذا ينسحب على من يحلل ويرتكز على الاستخفاف بالمصالحة ويتماهى مع الاستخفاف متحدياً ان تتحقق المصالحة، وان شاء الله ستتحقق، لحظتها سنرى ركائز التحليل الجديد الذي قد يلبس لبوسا آخر.
ناقشوا ما شئتم وعلقوا ولكن لا تستخفوا ولا تقللوا من شأن مرحلة تاريخية وإنجازاتها، ولكن اصنعوا فرقاً في تلك اللحظة التي تعايشونها لعلكم تلاقون ذات التعليقات الاستخفافية بعد 29 عاماً.