تطبيق «كريم» واختبار تشجيع الاستثمار

حجم الخط

وكالة خبر

منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، كان الجهد موجهاً ضمن مجموعة الجهود الأخرى نحو "جذب الاستثمار وتشجيعه"، وأسست دائرة شؤون المغتربين في وزارة التخطيط والتعاون الدولي آنذاك، وكان جل اهتمامها جذب الاستثمار وكانت اللجان التحضيرية لمؤتمر المغتربين السنوي للاستثمار وجذبه، رغم ما شاب تلك الفترة من انتقادات مهنية حول عدم قدرة القوانين على استيعاب الاستثمار وغياب مرجعيات واضحة للحوكمة، وتوالت المحاولات إلى أن عقد مؤتمر الاستثمار في نابلس، وكانت هناك إشارات لشركات قابضة كبرى، يومها حيا الرئيس المؤسس ياسر عرفات الاستثمار والمستثمرين ووصفهم بالفدائيين الاقتصاديين، يوم حضر أولئك لطرح نقلة في مفهوم الاستثمار، وإزالة الغبار عن الاستثمار التقليدي الذي يستوجب أن يجلس صاحبه جانبه ويعد غلته يومياً إلى استثمار كبير يستوجب الاعتماد على كفاءات تشغله وتقوده.
وبات ملحاً أن يشير كل وزير للاقتصاد الوطني إلى أنه يبذل جهداً غير مسبوق في سبيل تهيئة مناخ الاستثمار وضمان عدم التدخل وغياب أي مستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويقدّم أوراقه لمجلس الوزراء عن تحديث في القانون أو خطوة لتطوير هيئة تشجيع الاستثمار أو لقطة تجمعه مع القطاع الخاص، على أساس أن الأمور آخر حلاوة.
وظلت فلسطين توصف بأنها اقتصاد عذري قابل للاستثمار بكل أنواعه؛ لأن نسبة الربح فيه من أعلى النسب في العالم، وهذا ما كان يقدّم عندما كنا ننظم حلقات نقاش حول الاقتصاد الفلسطيني وسبل تشجيع الاستثمار.
واليوم، تحديداً قبل عامين، كان هناك اجتماع حاشد للرئيس محمود عباس مع الصناعيين والتجار ورجال الأعمال والشاحنين وكان الرئيس حازماً؛ عندما قال: قلت وأقول وأكرر من يُعطل استثماراً، من يطلب مقابل تسهيلات من المستثمرين، من يعقّد الإجراءات، سيكون عقابه عسيراً.. ستقطع يده. وأشار إلى أنواع مختلفة للاستثمار وأهميتها وشكّل لجنة لمتابعة الشأن الاقتصادي والاستثمار والإجراءات الضريبية، وتلك كانت تعليمات واضحة لجميع الأطراف.
وكرر الرئيس عباس قراره الحازم بتشجيع الاستثمار أثناء إطلاق العمل بأول مصنع إسمنت فلسطيني في بيت لحمأ وتباهى الرئيس باستثمارات متمثلة بالمستشفى الاستشاري العربي وزراعة النخيل والكاقة المتجددة وغيرها كثيراً، كدلائل على رعايته لتهيئة أجواء الاستثمار وحمايتها.
وعقد المؤتمر الاقتصادي الفلسطيني من قبل معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس) وكانت أهم توصية هي المتابعة من خلال لجنة متابعة، وأصدر رئيس الحكومة قراراً بتشكيل لجنة المتابعة برئاسته شخصياً، وعقدت عدداً من الاجتماعات للمتابعة.
وفي هذه الأجواء منذ قيام السلطة لغاية هذه اللحظة والمراحل التي مر بها مناخ الاستثمار والتعديل على القانون وقضايا الإعفاء الضريبي وتعديل هذا البند وغيره، والممارسات على الأرض ومدى تلاؤم الواقع مع النظرية والجهد الورقي والمكتبي.
 يحضر تطبيق "كريم" إلى فلسطين لينطلق بالعمل قبل أربعة أشهر من الآن، ضمن رخصة من مراقب الشركات في وزارة الاقتصاد الوطني، وانتظر الحصول على ترخيص وزارة النقل والمواصلات لأنهم سيعملون في القطاع، وكونه تطبيقاً إلكترونياً له صلة بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وبالتالي سيصبح له ملف ضريبي من كبار المكلفين، وينسحب الأمر على استثمارات على الأرض عقارية وتكنولوجية ومركز اتصالات وتدريب كباتن، وبالتالي علاقة قسرية مع الجامعات وربط التعليم بالسوق، وبالضرورة مسؤولية مجتمعية وانخراط بمعرض تكنولوجيا المعلومات (إكسبوتك)، وبالضرورة علاقة مباشرة مع المجلس الأعلى للتميز والإبداع.
وتحمّس أمثالي وهم كثر للاستثمار الجديد والنافذة الجديدة للمساهمة في حل مشكلة البطالة والفقر ومن ثم والأهم تطوير قطاع النقل في فلسطين على أكثر من مستوى بالإكراه عبر معايير عالية لم يعد مقبولاً التراجع عنها، والأهم ربط قطاع النقل والمواصلات بالتكنولوجيا التي هي حتمية العصر وضرورة ملحة، وجودة الخدمة، فقد قيم "كريم" خلال أربعة أشهر من العمل بنجوم خمسة بكل وسائل التقييم؛ لأنه لبى ويلبي من حيث الوقت وربط المسافة بالزمن وشغل العداد وكان متوافقاً تماماً مع تسعيرة العداد الرسمية، رغم أن العداد لم يشغل من مكاتب التاكسي، ولم ينبس ببنت شفة أحد من "كريم" ليقول: إنه أقل سعراً، ولم يقل: إنه جاء ليلغي مكاتب التاكسي، بل جاء ليقدّم لهم تطبيقاً يسهل عملهم ويريح الركاب، وخطا خطوات لجودة الخدمة.
المشكلة أن الحرب قامت على تطبيق "كريم" لأنه يقبل تشغيل المركبات الخصوصي، وفجأة أخذ القانون باليد من قبل بعض مكاتب التاكسي، حيث وثقت اعتداءات على كباتن "كريم"، وكوفئ من لم ولن يشغل العداد، ومن يملك مكتباً لا هاتفاً أرضياً فيه ولا مرجعية إدارية فيه، وكوفئ من ينقل ركاباً بمركبات خاصة دون نظام ودون تأمين يغطي، وكوفئ من خالف تسعيرة النقل.
تطبيق "كريم" طرح بقوة ملفاً مهماً: هل فلسطين مهيأة لجذب الاستثمار وتهيئة مناخ الاستثمار؟ وطرح أيضاً: هل قرارنا أسير ضغوطات من أصحاب مكاتب التاكسي ونقابات السائقين؟، هل "قرار الاستثمار من الآن فصاعداً في فلسطين له نافذة واحدة وقانون ناظم؟" أو "أيعقل أن يقوم كل مستثمر من الخارج أو داخلي أن يعمل صفقات مع أصحاب المصالح القائمين والافتراضين - شركات قائمة ومكاتب تاكسي ووكلاء - قبل أن يفكر بخطوة الاستثمار في فلسطين؟".
ما حدث مع تطبيق "كريم" وجعله يوقف أعماله في فلسطين لعله يفتح الباب على مصراعيه للسؤال عن نص القانون وروح القوانين ومواءمة القوانين مع جذب الاستثمار، ووجب ألا يكون طغيان مصلحة بالقوة، وبالتالي فإن قيام أصحاب مكاتب التاكسي ونقابة السائقين بأخذ القانون باليد وفرض أجندتهم يدلل أن هناك قوى حاضرة مضادة للاستثمار، فما الذي سينفع الاستثمار إن جاء استثمار في القطاع الصحي منافساً، وآخر بالطاقة الشمسية منافساً، أو صيدليات تعمل بتطبيق إلكتروني وخدمات التوصيل، وآخر منافساً بالتعليم عن بعد، هل سنمنعهم بذات الآلية التي حدثت مع تطبيق "كريم" والتي وجهت رسالة سلبية بكل المعاني.
وقفُ تطبيق "كريم" في فلسطين ليس أمراً عابراً سيمضي ونقطة، بل فتح السؤال الملح على مصراعيه ووضع الوزارات المختصة على المحك لنرى ما هم فاعلون دون وجود "كريم" لتطوير قطاع النقل والمواصلات، وتحدي حوادث السير والإجراءات القانونية ضد الجرائم المرورية، وإعادة النظر بآلية منح تراخيص مكاتب التاكسي وتشغيل خط لمن تمنح وكيف تمنح، ومواءمة التكنولوجيا وتطبيقاتها مع قطاع النقل، ونحن لسنا على عجل بموضوع الجيل الثالث إن كنا لا نعلم كيف نستفيد منه ومن تطبيقاته عدا التواصل الاجتماعي ونقطة.